PDA

عرض الاصدار الكامل : سورية ولبنان بعد الحريري ( عبد الباري عطوان(


صمود
02-17-2005, 09:48 AM
سورية ولبنان بعد الحريري
2005/02/17
http://www.alquds.co.uk/images/empty.gif
عبد الباري عطوان
جاءت جنازة الرئيس الراحل رفيق الحريري امس بمثابة استفتاء شعبي علي شرعية الحكومة اللبنانية الحالية، واحقية وجودها في قمة السلطة في لبنان. ومن سوء حظ هذه الحكومة ان اداءها كان منخفظا جدا في هذا الاستفتاء.
فالحكومة اللبنانية التي غابت رسميا عن مراسم التشييع بطلب من اسرة الحريري، وتحريض من احزاب المعارضة، فقدت الكثير من شرعيتها، وباتت تعيش عزلة شبه كاملة، ربما تزداد اتساعا فيما هو قادم من ايام.
وهذه هي المرة الاولي في تاريخ لبنان، يحضر فيها رئيس دولة بحجم جاك شيراك، الذي تعتبر بلاده الحليف الطبيعي الاوثق للبنان، الي العاصمة اللبنانية، ويحط علي ارض مطارها ولا يكون في استقباله رئيس الجمهورية، او اي وزير لبناني، وانما ابناء الفقيد الراحل، وكأن لبنان اصبح دولتين، واحدة للرئيس اميل لحود، واخري للرئيس الراحل رفيق الحريري.
لبنان، وللأسف الشديد، ينزلق بسرعة قياسية نحو ظاهرة الاستقطاب الخطيرة، وباتت انقساماته واضحة للعيان يوم امس، في وقت هو بأمس الحاجة الي الوحدة الوطنية، والترفع عن الاحقاد والثارات والنعرات الطائفية.
المعارضة اللبنانية التي تملك طروحاتها الكثير من المصداقية، لأنها طروحات تريد اعادة السيادة لبلادها، ودفعه بخطوات اسرع علي درب الاستقلال الحقيقي، استغلت هذه العواطف الشعبية المتأججة التي تجلت فيها لتحقيق مكاسب سياسية في معركتها مع احزاب الموالاة، ولكنها مكاسب محدودة جدا، لأنها لن تجد بلدا تحكمه اذا ما انزلقت البلاد الي الفوضي الدموية، مثلما يتوقع اكثر المراقبين تفاؤلا.
نحن هنا لا نعفي الموالين للنظام من اللوم، كما اننا لا ننزه سورية والقابضين فيها علي الملف اللبناني. فتعديل الدستور بالطريقة التي تم عليها، وبما يؤدي الي التمديد للرئيس لحود لثلاث سنوات، كان المفجر لكل الأزمات الحالية التي يعيشها لبنان، وتهدد وحدته وسيادته واستقلاله. كما ان اتهام رئيس الوزراء اللبناني عمر كرامي المعارضة بالخيانة والعمالة خرج عن كل الاعراف، واشعل فتيل القطيعة.
لا شك ان ما حدث في اليومين الماضيين صب في مصلحة المعارضة، ووسع من حجم جبهتها اللبنانية، واضاف اليها زخما سنيا كبيرا كانت تفتقد اليه، ولكن هذه المعارضة ستكتشف، وبعد هدوء عواطف الجنازة وتراجع احداثها وصورها من صدر نشرات التلفزة والصفحات الاولي للصحف اليومية، انها تساهم بدور كبير في جر البلاد الي مواجهة ربما تكون الاخطر في تاريخها، وتفتح الابواب علي مصراعيها امام التدخلات الخارجية، وهي التدخلات التي طالما اشتكت منها، وطالبت بمنعها، حفاظا علي سيادة لبنان واستقلاله، وكأن التدخل الامريكي ـ الفرنسي حلال زلال، اما التدخل السوري فمن اكبر الكبائر!
لم يكن السيد وليد جنبلاط موفقا، وهو السياسي الحصيف، والشخصية الوطنية المحترمة، عندما لم يمانع بوضع بلاده تحت الانتداب الدولي، كما ان زملاءه جانبهم الصواب عندما طالبوا بلجان تحقيق دولية لمعرفة الجهة التي تقف خلف اغتيال السيد الحريري. فالمعارضة حق مشروع، ولكن الغاء الدولة وسيادتها وكرامتها، ونسف مؤسساتها وسحب الشرعية منها شيء مختلف كليا. فالرئيس لحود ليس حاكما مخلدا للبنان، كما ان الوجود السوري يظل عرضيا ومصيره الي الزوال.
سورية ارتكبت اخطاء كارثية في لبنان، عندما تعاملت اجهزتها الأمنية مع هذا البلد وابنائه كما لو انه بلد قاصر، وشعب ناقص الاهلية، ولكن معالجة هذه الاخطاء باللجوء الي الاجنبي، والولايات المتحدة الامريكية علي وجه الخصوص، ربما يكون خطيئة كبري. ولكن سورية ايضا لها فضائل علي لبنان واهله، ولولا تدخلها المكروه هذا لما ظل لبنان لبنانا، ومن سمو الاخلاق عدم نسيان هذه الحقيقة. ونشعر بالحزن الشديد ونحن نري العمال السوريين الابرياء يتعرضون للضرب من قبل الجموع اللبنانية الغاضبة، فهؤلاء ربما يختلفون مع نظام بلادهم اكثر من اللبنانيين الغاضبين انفسهم، وجاءوا الي لبنان هربا من الفقر والظلم وبحثا عن لقمة العيش التي لم توفرها لهم حكومة بلادهم.
سورية باتت مستهدفة، واغتيال السيد الحريري بهذه الطريقة الاجرامية البشعة ربما يسرع المخططات الحالية الرامية للانتقام منها، ليس بسبب اخطائها في لبنان، وانما لعدم تعاونها لانجاح المشروع الامريكي الفاشل في العراق، وتحويل سورية الي دولة فاشلة علي النمطين العراقي والافغاني لن يخدم لبنان ووحدته واستقراره، بل ربما يؤدي الي تفجيره من الداخل، وتحويله الي ملاذ آمن لكل من يريد ان يقاوم امريكا واسرائيل.
وربما يفيد التذكير بأن الأكثرية العراقية الموالية للاحتلال الامريكي لم تنجح في ضبط الاوضاع، واقامة دولة مستقرة، رغم انها تستند الي مئة وخمسين الف جندي امريكي مدججين بأحدث الاسلحة المتقدمة من كافة الانواع والاصناف.
لبنان بحاجة الي عقلاء من الجانبين، المعارضة والموالاة، للانخراط في حوار بناء بعيدا عن الاحقاد والنزعات الانتقامية لانقاذ البلاد، وتصحيح العلاقة مع سورية بعيدا عن كل اساليب الاستقواء بالاجنبي الامريكي.
بقي ان نقول بأن سورية تتحمل المسؤولية الأكبر مما جري ويجري وسيجري علي ارض لبنان، وربما يكون طريقها الوحيد لاصلاح خطاياها هو الانسحاب وبسرعة، وترك اللبنانيين يحلون مشاكلهم بعيدا عنها وعن تدخلات اجهزتها الامنية، فلعلها بهذه الخطوة تسحب الذرائع ممن يريدون اذلالها، سواء في لبنان او واشنطن