البلوطي
04-14-2005, 02:37 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قرأت هذا المقال في احد المواقع وأحببت أن أضعه هنا حتى يقرأه رواد منتدانا من الاخوة والأخوات
ومع الاسف لم يكتب اسم صاحب المقالة ولا أدعي ذلك لنفسي فهو منقول من موقع مفكرة الاسلام
وإليكم المقال : _
شاهدت وتابعت باهتمام تجربة الحركة الإسلامية في الأردن في مجلس النواب،حيث كنت وقتها مقيمًا في عمان؛ وأرى أنها تجربة مهمة، ومن الضروري جدًا دراستها واستخلاص الدروس والعبر منها، فالعاقل من اتعظ بغيره، ولم يكرر أخطاءه.
لقد دخل الإسلاميون في الأردن انتخابات مجلس النواب بناءً على إجماع داخلي في صفوفهم بالمشاركة، و قرروا مقاطعة الانتخابات بعد سنوات عدة، بناءً أيضًا على إجماع داخلي بضرورة المقاطعة، إذ لاحظ الجميع أن الحركة قد خسرت جزءًا كبيرًا من جمهورها الذي تحمس لها، وأوصلها بقوة إلى مجلس النواب، وأن البقاء فيه سيأتي على البقية الباقية من أنصارها، فضلاً عن أبنائها الذين بدءوا ينفضون عنها، ويخرجون من صفوفها، والسؤال الذي لابد أن يطرح هنا هو: لماذا خسر الإسلاميون جزءًا كبيرًا من شعبيتهم الواسعة التي كانت تقلق جميع القوى المعادية لهم، بعد سنوات من وجودهم تحت قبة البرلمان؟!
يمكنني الإجابة على هذا السؤال من خلال النقاط الموجزة الآتية:-
[1] لأن الناس كانوا يؤملون عليهم كثيرًا في تحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لكن الحكومة لم تمكنهم من تحقيق إنجازات تستحق الذكر في عهدهم، بل أقدمت على إجراءات جعلت أوضاع الناس أكثر سوءًا، فمثلاً قامت برفع الدعم عن بعض السلع الاستهلاكية المهمة كالخبز والسكر، مما أدى إلى ارتفاع أسعارها، وتضرر غالبية الناس، كما قامت بإجراءات أشد ضد حرية الرأي، وصارت المظاهرات السلمية الطلابية أو النقابية التي يشارك فيها كبار المثقفين، ومنهم النواب في البرلمان تقمع بالعصي والهراوات.
[2] لأن النواب الإسلاميين لم يتحركوا بقوة لرفع الظلم عن الناس، أو وقف قرار يعارضونه، فمثلاً لم يستقيلوا، أو يهددوا باستقالتهم لوقف القرارات الخطيرة التي اتخذتها الحكومة، كاتفاقية وادي عربة التي وُقِّعت أثناء وجودهم في البرلمان، وكالتطبيع الواسع مع الصهاينة الذي حدث في عهدهم، وأذكر أن تظاهرة سلمية شارك فيها النواب الإسلاميون، ومعهم الكثير من النقابيين، تعرضت للقمع الشديد، حيث انهال رجال الشرطة عليهم وعلى النواب بالضرب بالعصي، وقد حدثني أحد المشاركين أنه أثناء هربهم وملاحقة الشرطة لهم وضربهم، سمع أحد الشباب الغاضبين يقول: 'يجب على النواب الإسلاميين الاستقالة ردًّا على هذا القمع'، فسمعه أحد النواب الهاربين الذي كان يعد رمزًا في نظر الجماهير، فصرخ في وجهه قائلاً:'اخرس يا...'.
[3] لأن الناس لاحظوا أن النواب الإسلاميين هم وحدهم الذين انتفعوا من هذه المشاركة، فقد حصلوا على مبلغ كبير لتحسين أوضاعهم بمجرد انتخابهم، وراتب يصل إلى أكثر من عشرين ضعف راتب المواطن العادي، إضافة إلى الحق بسيارة بدون جمرك، فصار النواب الذين كانوا بالأمس يتحدثون على المنابر بطلاقة وإسهاب عن زهد عمر بن الخطاب عندما أصبح خليفة، وعن الانقلاب من الترف إلى التقشف في حياة عمر بن عبد العزيز بمجرد أن تولى الخلافة، صاروا يركبون بعد منصبهم الجديد سيارات المرسيدس الحديثة الفارهة، ويجوبون بها شوارع عمان.
وأذكر أن تظاهرة حدثت في أحد مخيمات اللاجئين القريبة من عمان، فطلبت الحكومة ـ أو غيرها ـ من النائب عن هذا المخيم أن يذهب إليه لإقناع سكانه ـ الذين سبق أن انتخبوه ـ بفض التظاهرة، فذهب راكبًا سيارته المرسيدس الفخمة، وسار فيها بين أزقة وبيوت المخيم الضيقة، وبمجرد أن طلب منهم التفرق انهالوا عليه وعلى سيارته بالحجارة، فولى هاربًا يلعن جهلهم وقلة وعيهم، ولم ينتبه إلى أنه هو الجاهل بحقيقة الإسلام، الذي يعد من يدعو إلى شيء ولا يلتزم به به خصلة من نفاق حتى يدعها ؛ لأنهم اكتشفوا أنه لا يمثل الإسلام الحقيقي، وأنه قد خان الأمانة التى حملوها إياه ، وأنه يستحق الضرب بالحجارة.
[4] لأن هؤلاء النواب الذين كانوا من قبل يسخرون قدراتهم اللغوية الفائقة، وبلاغتهم وقواميسهم البليغة في نقد السلطة الحاكمة وممارسات رموزها، وكانوا يسعدون الجماهير بذلك، صاروا يؤذونهم عندما يسمعونهم يمدحون تلك الرموز مدحًا يرون أنه كاذب لا يستحقونه.
[5] لأن هؤلاء النواب الذين كانوا يلهبون مشاعر الناس عندما يتحدثون عن الجهاد، وعن معاناة أهلهم في فلسطين، صاروا يستنكرون بقسوة العمليات عبر الحدود مع فلسطين التي يقوم بها أحيانًا شباب أردنيون تحمسوا لنصرة إخوانهم في فلسطين.
[6] لأن أعداء الحركة الإسلامية كثر، وهناك من خطط بخبث لإسقاط رموزها من عيون أبنائهم وجماهيرهم، وإضعاف الصحوة الإسلامية المتزايدة في الأردن، والأمثلة على ذلك كثيرة، لكني أكتفي بمثال واحد مشهور، فقد بث التلفزيون الأردني احتفالاً دُعي إليه كبار رجال الدولة بمناسبة عيد ميلاد الملك، وكانت إحدى الفقرات لمغنية تغني أغنية راقصة، تشيد فيها بأصوله الهاشمية، وانسجم الحاضرون، وأخذوا يصفقون ويتمايلون، وركز التلفزيون كثيراً على عرض صورة رئيس البرلمان، وهو رجل محترم، وإسلامي معروف، وبجانبه زوجته الفاضلة، التي كانت تصفق كما يصفق الناس، وقد أدى هذا الموقف إلى استياء كبير في صفوف أبناء الحركة وأنصارها.
ويحضرني هنا موقف آخر يمثل الصمود أمام محاولات الإسقاط التي يتعرض لها كل من اقترب من الدوائر الرسمية الحاكمة في هذا العصر، فقد حدثني من أثق به، نقلاً عن الدكتور الفاضل إسحاق الفرحان أنه عندما كان وزيرًا للتربية في الأردن، ذهبوا برفقة أحد الأمراء لزيارة عمل في دولة عربية ، وبعد تناول طعام العشاء جيء براقصة لتدخل السرور على الضيوف بفقرة رقص شرقي !! ، فقام د.إسحاق غاضباً وغادر المكان، فلحقه بعض الأزلام ليبينوا له حجم الجريمة التي اقترفها في حضرة الأمير، فناداهم الأمير وقال : 'دعوه فإنه مصيب، وكلنا مخطئون' !!
[7] لأن الحركة الإسلامية شاركت في البرلمان برموزها التاريخية التي كانت تمثل في نظر الأبناء والأنصار والجماهير المبادئ والمثل والقيم والتمسك والالتزام والثبات والأمل، وعندما فشلوا في تحقيق طموحات الناس، وارتكبوا أخطاء لا ينزه عنها البشر عادة، سجل الناس ذلك على الحركة الإسلامية، وعدوها فاشلة، ومن الناس من سجل هذا الفشل على الإسلام ذاته، واعتقد أن مبادئه لا تصلح للتطبيق في هذا العصر، فابتعد عن طريق الالتزام به، وبذلك فتن هؤلاء النواب الناس عن دينهم، ولم يكونوا أمناء على الثغر الذي وضعوا فيه، ولعل هذا ما يفسر الظاهرة العجيبة التي تشهدها الأردن، وهي ظاهرة تراجع المد الإسلامي، وقلة الالتزام الديني، مقارنة بما كان عليه الوضع في الثمانينات، وأوائل التسعينات من القرن الماضي.
إن تجربة الحركة الإسلامية في الأردن في البرلمان تذكرنا بكتاب 'الإيدز الحركي' للأستاذ فتحي يكن، وأستشهد منه بما ذكره في صفحة13 تحت عنوان'اللهث وراء السلطة من أسباب تمزق البنى التنظيمية'، حيث يقول: 'فكم من حركات وتنظيمات وأحزاب تسبب بلوغ السلطة في مقتلها، فالسلطة تعتبر التجربة الأخيرة في حياة كل حركة'، ويقول في صفحة 14: 'إن دراسة متأنية لما تسببه بلوغ بعض الأحزاب السلطة على امتداد العالم، تظهر مدى الآثار السلبية، بل المأساوية التي لحقت بهذه الأحزاب، منها: انهيار الأحزاب، أو انقسامها وتمزقها، أو إفراغها من محتواها العقائدي والمبدئي، وتحولها إلى بؤرة نفعية تتفاعل مع ذاتها ونزواتها ليس إلا'.
إن السبب الوحيد المقنع لمشاركة حماس في انتخابات البلديات والتشريعي القادمة هو مصلحة الناس فقط، فليس من الوفاء أن يترك الناس الذين كانوا أوفياء للمقاومة وصبروا وضحَّوا وقدَّموا فلذات أكبادهم، وعزيزَ أموالهم، ليس من الوفاء أن يُتركوا ليحكمهم اللصوص والمنحرفون مرة أخرى، فيعيثون في الأرض فسادًا كما كانوا يفعلون من قبل.
ولكن على نواب حماس القادمين أن يدرسوا جيداً تجربة إسلامي الأردن وأن يتجنبوا كل ما يمكن أن يفشلهم، فيبتعدوا عن مظاهر الترف، ويزهدوا في الامتيازات والتسهيلات الخاصة الكثيرة التي ستعطى لهم ويحرم منها الناس؛ لأنها امتيازات تهدف إلى إسكاتهم وإلهائهم عن هدفهم الحقيقي في خدمة الناس، وتحقيق طموحاتهم الكبيرة الكثيرة، كما يراد منها إسقاطهم من عيون جماهيرهم، وعليهم أن يعملوا على انتزاع حقوق الناس من السلطة انتزاعًا.
لأنها قد تعمل على إفشالهم من خلال عدم تحقيق الإنجازات على أيديهم، وأن يتقوا كل مَواطن الشبهات، لأن خطأهم البسيط سيضخم، وليعلموا أن هناك من يجهز ويرسم الخطط لتشويههم وتوريطهم وإسقاطهم، وبالتالي إسقاط حركتهم التي حصلت على محبة وثقة الناس من خلال تاريخ ناصع مليء بالدماء والتضحيات والإخلاص والتواضع والتفاني والصدق، وليعلموا أنهم على ثغر للإسلام فلا يؤتين من قبلهم، وليتذكروا أن الصمود أمام الدنيا أصعب من الصمود أمام العدو، والتاريخ يشهد على ذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم يؤكده من خلال قوله: [[والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تفتح عليكم الدنيا، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم]].
إن ثقتنا وأملنا بنواب حماس القادمين كبيرة، في أن يسهموا في بناء وإعداد المجتمع الفلسطيني ليصبح أكثر سعادةً وإيمانًا ووعيًا وعلمًا وصحةً واستعدادًا للصمود والمقاومة، وليعلموا أن النجاح هو المتوقع والمرجو منهم؛ لأن من نجح في قهر اليهود أقدر على النجاح في قهر الشيطان والدنيا وكل الصعوبات، والمهم أن تتوفر لديهم إرادة النجاح، والإصرار على تجنب أخطاء الآخرين.
وآمل أن يتفهم الجميع الصراحة الواردة في هذا المقال، فالنصيحة الصريحة اليوم أهون من الفشل والفضيحة غدًا.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قرأت هذا المقال في احد المواقع وأحببت أن أضعه هنا حتى يقرأه رواد منتدانا من الاخوة والأخوات
ومع الاسف لم يكتب اسم صاحب المقالة ولا أدعي ذلك لنفسي فهو منقول من موقع مفكرة الاسلام
وإليكم المقال : _
شاهدت وتابعت باهتمام تجربة الحركة الإسلامية في الأردن في مجلس النواب،حيث كنت وقتها مقيمًا في عمان؛ وأرى أنها تجربة مهمة، ومن الضروري جدًا دراستها واستخلاص الدروس والعبر منها، فالعاقل من اتعظ بغيره، ولم يكرر أخطاءه.
لقد دخل الإسلاميون في الأردن انتخابات مجلس النواب بناءً على إجماع داخلي في صفوفهم بالمشاركة، و قرروا مقاطعة الانتخابات بعد سنوات عدة، بناءً أيضًا على إجماع داخلي بضرورة المقاطعة، إذ لاحظ الجميع أن الحركة قد خسرت جزءًا كبيرًا من جمهورها الذي تحمس لها، وأوصلها بقوة إلى مجلس النواب، وأن البقاء فيه سيأتي على البقية الباقية من أنصارها، فضلاً عن أبنائها الذين بدءوا ينفضون عنها، ويخرجون من صفوفها، والسؤال الذي لابد أن يطرح هنا هو: لماذا خسر الإسلاميون جزءًا كبيرًا من شعبيتهم الواسعة التي كانت تقلق جميع القوى المعادية لهم، بعد سنوات من وجودهم تحت قبة البرلمان؟!
يمكنني الإجابة على هذا السؤال من خلال النقاط الموجزة الآتية:-
[1] لأن الناس كانوا يؤملون عليهم كثيرًا في تحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لكن الحكومة لم تمكنهم من تحقيق إنجازات تستحق الذكر في عهدهم، بل أقدمت على إجراءات جعلت أوضاع الناس أكثر سوءًا، فمثلاً قامت برفع الدعم عن بعض السلع الاستهلاكية المهمة كالخبز والسكر، مما أدى إلى ارتفاع أسعارها، وتضرر غالبية الناس، كما قامت بإجراءات أشد ضد حرية الرأي، وصارت المظاهرات السلمية الطلابية أو النقابية التي يشارك فيها كبار المثقفين، ومنهم النواب في البرلمان تقمع بالعصي والهراوات.
[2] لأن النواب الإسلاميين لم يتحركوا بقوة لرفع الظلم عن الناس، أو وقف قرار يعارضونه، فمثلاً لم يستقيلوا، أو يهددوا باستقالتهم لوقف القرارات الخطيرة التي اتخذتها الحكومة، كاتفاقية وادي عربة التي وُقِّعت أثناء وجودهم في البرلمان، وكالتطبيع الواسع مع الصهاينة الذي حدث في عهدهم، وأذكر أن تظاهرة سلمية شارك فيها النواب الإسلاميون، ومعهم الكثير من النقابيين، تعرضت للقمع الشديد، حيث انهال رجال الشرطة عليهم وعلى النواب بالضرب بالعصي، وقد حدثني أحد المشاركين أنه أثناء هربهم وملاحقة الشرطة لهم وضربهم، سمع أحد الشباب الغاضبين يقول: 'يجب على النواب الإسلاميين الاستقالة ردًّا على هذا القمع'، فسمعه أحد النواب الهاربين الذي كان يعد رمزًا في نظر الجماهير، فصرخ في وجهه قائلاً:'اخرس يا...'.
[3] لأن الناس لاحظوا أن النواب الإسلاميين هم وحدهم الذين انتفعوا من هذه المشاركة، فقد حصلوا على مبلغ كبير لتحسين أوضاعهم بمجرد انتخابهم، وراتب يصل إلى أكثر من عشرين ضعف راتب المواطن العادي، إضافة إلى الحق بسيارة بدون جمرك، فصار النواب الذين كانوا بالأمس يتحدثون على المنابر بطلاقة وإسهاب عن زهد عمر بن الخطاب عندما أصبح خليفة، وعن الانقلاب من الترف إلى التقشف في حياة عمر بن عبد العزيز بمجرد أن تولى الخلافة، صاروا يركبون بعد منصبهم الجديد سيارات المرسيدس الحديثة الفارهة، ويجوبون بها شوارع عمان.
وأذكر أن تظاهرة حدثت في أحد مخيمات اللاجئين القريبة من عمان، فطلبت الحكومة ـ أو غيرها ـ من النائب عن هذا المخيم أن يذهب إليه لإقناع سكانه ـ الذين سبق أن انتخبوه ـ بفض التظاهرة، فذهب راكبًا سيارته المرسيدس الفخمة، وسار فيها بين أزقة وبيوت المخيم الضيقة، وبمجرد أن طلب منهم التفرق انهالوا عليه وعلى سيارته بالحجارة، فولى هاربًا يلعن جهلهم وقلة وعيهم، ولم ينتبه إلى أنه هو الجاهل بحقيقة الإسلام، الذي يعد من يدعو إلى شيء ولا يلتزم به به خصلة من نفاق حتى يدعها ؛ لأنهم اكتشفوا أنه لا يمثل الإسلام الحقيقي، وأنه قد خان الأمانة التى حملوها إياه ، وأنه يستحق الضرب بالحجارة.
[4] لأن هؤلاء النواب الذين كانوا من قبل يسخرون قدراتهم اللغوية الفائقة، وبلاغتهم وقواميسهم البليغة في نقد السلطة الحاكمة وممارسات رموزها، وكانوا يسعدون الجماهير بذلك، صاروا يؤذونهم عندما يسمعونهم يمدحون تلك الرموز مدحًا يرون أنه كاذب لا يستحقونه.
[5] لأن هؤلاء النواب الذين كانوا يلهبون مشاعر الناس عندما يتحدثون عن الجهاد، وعن معاناة أهلهم في فلسطين، صاروا يستنكرون بقسوة العمليات عبر الحدود مع فلسطين التي يقوم بها أحيانًا شباب أردنيون تحمسوا لنصرة إخوانهم في فلسطين.
[6] لأن أعداء الحركة الإسلامية كثر، وهناك من خطط بخبث لإسقاط رموزها من عيون أبنائهم وجماهيرهم، وإضعاف الصحوة الإسلامية المتزايدة في الأردن، والأمثلة على ذلك كثيرة، لكني أكتفي بمثال واحد مشهور، فقد بث التلفزيون الأردني احتفالاً دُعي إليه كبار رجال الدولة بمناسبة عيد ميلاد الملك، وكانت إحدى الفقرات لمغنية تغني أغنية راقصة، تشيد فيها بأصوله الهاشمية، وانسجم الحاضرون، وأخذوا يصفقون ويتمايلون، وركز التلفزيون كثيراً على عرض صورة رئيس البرلمان، وهو رجل محترم، وإسلامي معروف، وبجانبه زوجته الفاضلة، التي كانت تصفق كما يصفق الناس، وقد أدى هذا الموقف إلى استياء كبير في صفوف أبناء الحركة وأنصارها.
ويحضرني هنا موقف آخر يمثل الصمود أمام محاولات الإسقاط التي يتعرض لها كل من اقترب من الدوائر الرسمية الحاكمة في هذا العصر، فقد حدثني من أثق به، نقلاً عن الدكتور الفاضل إسحاق الفرحان أنه عندما كان وزيرًا للتربية في الأردن، ذهبوا برفقة أحد الأمراء لزيارة عمل في دولة عربية ، وبعد تناول طعام العشاء جيء براقصة لتدخل السرور على الضيوف بفقرة رقص شرقي !! ، فقام د.إسحاق غاضباً وغادر المكان، فلحقه بعض الأزلام ليبينوا له حجم الجريمة التي اقترفها في حضرة الأمير، فناداهم الأمير وقال : 'دعوه فإنه مصيب، وكلنا مخطئون' !!
[7] لأن الحركة الإسلامية شاركت في البرلمان برموزها التاريخية التي كانت تمثل في نظر الأبناء والأنصار والجماهير المبادئ والمثل والقيم والتمسك والالتزام والثبات والأمل، وعندما فشلوا في تحقيق طموحات الناس، وارتكبوا أخطاء لا ينزه عنها البشر عادة، سجل الناس ذلك على الحركة الإسلامية، وعدوها فاشلة، ومن الناس من سجل هذا الفشل على الإسلام ذاته، واعتقد أن مبادئه لا تصلح للتطبيق في هذا العصر، فابتعد عن طريق الالتزام به، وبذلك فتن هؤلاء النواب الناس عن دينهم، ولم يكونوا أمناء على الثغر الذي وضعوا فيه، ولعل هذا ما يفسر الظاهرة العجيبة التي تشهدها الأردن، وهي ظاهرة تراجع المد الإسلامي، وقلة الالتزام الديني، مقارنة بما كان عليه الوضع في الثمانينات، وأوائل التسعينات من القرن الماضي.
إن تجربة الحركة الإسلامية في الأردن في البرلمان تذكرنا بكتاب 'الإيدز الحركي' للأستاذ فتحي يكن، وأستشهد منه بما ذكره في صفحة13 تحت عنوان'اللهث وراء السلطة من أسباب تمزق البنى التنظيمية'، حيث يقول: 'فكم من حركات وتنظيمات وأحزاب تسبب بلوغ السلطة في مقتلها، فالسلطة تعتبر التجربة الأخيرة في حياة كل حركة'، ويقول في صفحة 14: 'إن دراسة متأنية لما تسببه بلوغ بعض الأحزاب السلطة على امتداد العالم، تظهر مدى الآثار السلبية، بل المأساوية التي لحقت بهذه الأحزاب، منها: انهيار الأحزاب، أو انقسامها وتمزقها، أو إفراغها من محتواها العقائدي والمبدئي، وتحولها إلى بؤرة نفعية تتفاعل مع ذاتها ونزواتها ليس إلا'.
إن السبب الوحيد المقنع لمشاركة حماس في انتخابات البلديات والتشريعي القادمة هو مصلحة الناس فقط، فليس من الوفاء أن يترك الناس الذين كانوا أوفياء للمقاومة وصبروا وضحَّوا وقدَّموا فلذات أكبادهم، وعزيزَ أموالهم، ليس من الوفاء أن يُتركوا ليحكمهم اللصوص والمنحرفون مرة أخرى، فيعيثون في الأرض فسادًا كما كانوا يفعلون من قبل.
ولكن على نواب حماس القادمين أن يدرسوا جيداً تجربة إسلامي الأردن وأن يتجنبوا كل ما يمكن أن يفشلهم، فيبتعدوا عن مظاهر الترف، ويزهدوا في الامتيازات والتسهيلات الخاصة الكثيرة التي ستعطى لهم ويحرم منها الناس؛ لأنها امتيازات تهدف إلى إسكاتهم وإلهائهم عن هدفهم الحقيقي في خدمة الناس، وتحقيق طموحاتهم الكبيرة الكثيرة، كما يراد منها إسقاطهم من عيون جماهيرهم، وعليهم أن يعملوا على انتزاع حقوق الناس من السلطة انتزاعًا.
لأنها قد تعمل على إفشالهم من خلال عدم تحقيق الإنجازات على أيديهم، وأن يتقوا كل مَواطن الشبهات، لأن خطأهم البسيط سيضخم، وليعلموا أن هناك من يجهز ويرسم الخطط لتشويههم وتوريطهم وإسقاطهم، وبالتالي إسقاط حركتهم التي حصلت على محبة وثقة الناس من خلال تاريخ ناصع مليء بالدماء والتضحيات والإخلاص والتواضع والتفاني والصدق، وليعلموا أنهم على ثغر للإسلام فلا يؤتين من قبلهم، وليتذكروا أن الصمود أمام الدنيا أصعب من الصمود أمام العدو، والتاريخ يشهد على ذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم يؤكده من خلال قوله: [[والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تفتح عليكم الدنيا، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم]].
إن ثقتنا وأملنا بنواب حماس القادمين كبيرة، في أن يسهموا في بناء وإعداد المجتمع الفلسطيني ليصبح أكثر سعادةً وإيمانًا ووعيًا وعلمًا وصحةً واستعدادًا للصمود والمقاومة، وليعلموا أن النجاح هو المتوقع والمرجو منهم؛ لأن من نجح في قهر اليهود أقدر على النجاح في قهر الشيطان والدنيا وكل الصعوبات، والمهم أن تتوفر لديهم إرادة النجاح، والإصرار على تجنب أخطاء الآخرين.
وآمل أن يتفهم الجميع الصراحة الواردة في هذا المقال، فالنصيحة الصريحة اليوم أهون من الفشل والفضيحة غدًا.