PDA

عرض الاصدار الكامل : عقيدة الولاء والبراء في حياة المسلم المعاصر


الدكتور البشير
03-26-2005, 02:11 AM
الولاء والبراء والموالاة والمعاداة من العقائد الأساسية في هذا الدين ومما تميزت به هذه الأمة، وأما الأمم الكافرة فلها شأن آخر تختلف عن الأمة الإسلامية لكونها فسقت عن أمر الله وتولت الشيطان..الولاء والبراء أصل أصيل من أصول الإسلام، و دعامة من دعائمه، فلا يستقيم إسلام المرء حتى يوالي في الله ويعادي في الله؛ يوالي أهل الحق، ويعادي أهل الباطل، غير آبه بما يعترضه في سبيل ذلك من المثنيات و المثبطات.
ومما يؤسف له أنّ هذا المفهوم العقدي الهام قد غاب اليوم عن واقع حياة كثير من المسلمين إلا من رحم ربك، وذلك لا يغير من حقيقته الناصعة شيئاً. ذلك أنّ الولاء والبراء: هما الصورة الفعلية للتطبيق الواقعي لهذه العقيدة. وهو مفهوم ضخم في حس المسلم بمقدار ضخامة وعظمة هذه العقيدة. ولن تتحقق كلمة التوحيد في الأرض إلا بتحقيق الولاء لمن يستحق الولاء والبراء ممن يستحق البراء. والله سبحانه وتعالى يقول:(قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) سورة البقرة: 256.
ويحسب بعض الناس أن هذا المفهوم العقدي الكبير يدرج ضمن القضايا الجزئية أو الثانوية، ولكن حقيقة الأمر بعكس ذلك. إنها قضية إيمان وكفر كما قال الله تعالى:}يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وأبناؤكم وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ{ سورة التوبة:23: 24، وقال جل جلاله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ{.سورة المائدة:51، إنه ليس في كتاب الله تعالى حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم –أي الولاء والبراء– بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده.
وأمام هذا الواقع تنشأ أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابات صادقة وافية يدعمها الدليل من الكتاب والسنة والاسترشاد بآراء العلماء الأعلام ومن هذه الأسئلة:- لمن ينتمي المسلم؟ ولمن يكون ولاؤه؟ وممن يكون براؤه؟ ما حكم الإسلام في المذاهب الفكرية التي يروج لها المستغفلون أو الحاقدون من أبناء أمتنا وممن ينطقون بألسنتنا؟ ما سبيل النجاة مما يراد بالمسلمين اليوم في جميع أنحاء الأرض؟
والجواب:إنه الإسلام ولا شيء غيره، فهو الذي ينقذ الناس مما هم فيه ممن حالة الضياع والهبوط والعبودية لغير الله، فيخرجهم كما أخرج سلف هذه الأمة من الظلمات إلى النور، ومن الجور إلى العدل، ومن ضيق الدنيا إلى سعة ونعيم الآخرة.
إن الطريق المستقيم يحتاج إلى سالك جاد، سائر يسير فيه دون الالتفات إلى اليمين أو اليسار:{وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} سورة الأنعام: 153."والحق أنه لا يمكن أن ينهض صرح الحياة الإسلامية الكاملة الخالصة إلا على دعائم الإقرار بالتوحيد الذي يحيط بجميع نواحي الإنسانية الفردية والجماعية، والذي يحسب الإنسان بموجبه أنه هو وكل ما بيده من شيء ملك لله، ويرى أن الله هو المالك الشرعي الحقيقي له وللعالم كله، المعبود المطاع الذي له الأمر والنهي. وأن لا ينبوع للهداية إلا هو، وتطمئن نفسه بكل شعور إلى أن الانحراف عن طاعة الله أو الاستغناء عن هدايته إن هو إلا إمعان في الضلالة من أي ناحية جاء أو في أي لون كان.
الولاء والبراء شرط في الإيمان: قال تعالى:{تَرَىٰ كَثِيراً مّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى ٱلْعَذَابِ هُمْ خَـلِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالْلهِ والنَّبِي وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَـٰكِنَّ كَثِيراً مّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ}المائدة:80،81...وعَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِىِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:" مَنْ أَعْطَى لِلَّهِ وَمَنَعَ لِلَّهِ وَأَحَبَّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ وَأَنْكَحَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ إِيمَانَهُ".
الولاء والبراء أوثق عرى الإيمان: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم لأبي ذر:(أي عرى الإيمان أوثق؟) قال: الله ورسوله أعلم، قال:(الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله)..وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان:أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار)..وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم، يبايع أصحابه على تحقيق هذا الأصل العظيم، فعن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبايع، فقلت: يا رسول الله، ابسط يدك حتى أبايعك، واشترِط عليّ فأنت أعلم، قال:(أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين). يقول العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي عن الولاء والبراء:"إنهما مظهران من مظاهر إخلاص المحبة لله، ثم لأنبيائه وللمؤمنين. والبراءة:مظهر من مظاهر كراهية الباطل وأهله، وهذا أصل من أصول الإيمان".
ويقول الإمام الطحاوي رحمه الله:(نسأل الله أن يثبتنا على الإيمان، ويختم لنا به، ويعصمنا من الأهواء المختلفة، والآراء المتفرقة، والمذاهب الرديّة، من الذين خالفوا السنّة والجماعة، وحالفوا الضلالة، ونحن منهم براء، وهم عندنا ضلال وأردياء). ويقول الإمام أبو عثمان إسماعيل الصابوني رحمه الله حكايةً عن أهل السنّة:ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم، ولا يصحبونهم..ووصفهم بأنهم يحابّون في الدين، ويتباغضون فيه، ويتقون الجدال في أصول الدين، والخصومات فيه، ويجانبون أهل البدع والضلالات، ويعادون أصحاب البدع والأهواء المرديات الفاضحات.
الولاء والبراء من لوازم لا إله الله: لما كان أصل الموالاة: الحب. وأصل المعاداة: البغض. وينشأ عنهما من القلوب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة والمعاداة كالنصرة والأنس والمعاونة، وكالجهاد، والهجرة، ونحو ذلك. فإن الولاء والبراء من لوازم لا إله إلا الله. وأدلة ذلك كثيرة من الكتاب والسنة.
أما الكتاب:فمن ذلك قوله تعالى:{لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ{ سورة آل عمران: 28.
- ويقول تباركت أسماؤه عن أهداف أعداء الله:{وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ{ سورة النساء: 89. وقوله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فإنهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ{ سورة المائدة: 51.
-ويقول تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ{سورة المائدة: 54.
أما الأحاديث والآثار: فكثيرة ونذكر منها:-
1- ما رواه الإمام أحمد عن جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بايعه على أن (تنصح لكل مسلم، وتبرأ من الكافر)
2- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"(أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله). قال صلى الله عليه وسلم:(من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان) رواه الإمام أحمد.
3- وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعادة في الله، والحب في الله والبغض في الله).
4- أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:(من أحب في الله وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت مؤاخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئاً).
فبان بهذه الأدلة الواضحة من الكتاب والسنة أن الولاء من لوازم لا إله إلا الله..وهو أيضاً تحقيق معناها كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:(إن تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله يقتضي أن لا يحب إلا الله، ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي إلا لله، ولا يعادي إلا لله، وأن يحب ما أحبه الله ويبغض ما أبغضه الله) أي يوالي المؤمنين في أي مكان حلّوا، ويعادي الكافرين ولو كانوا أقرب قريب. ثم إن من الولاء والبراء ما يمثل شطر العقيدة وركنها الثاني الذي لا تتم إلا به وهو الكفر بالطاغوت. قال تعالى:(فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ) سورة البقرة:256. فلا يكون مؤمناً من لا يكفر بالطاغوت، وهو كل متبوع أو مرغوب أو مرهوب من دون الله. فقبول الإيمان والاستمساك بالعروة الوثقى مستلزم للكفر بالطاغوت كما نصت على ذلك الآية الكريمة.
وأهداف أعداء الإسلام من الملحدين واليهود والنصارى والمستغربين والشيوعيين هي تمييع عقيدة المسلمين، وتذويب شخصيتهم المتفردة، لجعلهم حميراً للشعب المختار كما تنص على ذلك بروتوكولات حكماء صهيون. وأن الدعوات المشبوهة الملحدة تدعو إلى ما يسمى بالأخوة والمساواة..وأن الدين لله..والوطن للجميع.

الدكتور البشير
03-26-2005, 02:14 AM
ومن المجالات المهمة التي تتجلى فيها عقيدة الولاء والبراء عند المسلم أصدق تجلٍ، وتتضح فيها في أجمل صورها، صلة من يستحقون الصلة من الأقارب والمسلمين، وقطع من يستحقون القطع من غير خوف ولا وجل ولا حرج، لأنه ينبغي للمسلم أن يكون حبه وبغضه في الله، ووصله وقطعه لله، وحركاته وسكناته في ابتغاء مرضات الله. لقد جسد هذه العقيدة الأنبياءُ والرسلُ وأتباعُهم في أقربائهم وذويهم أصدق تجسيد، وحققوا هذه العقيدة أفضل تحقيق، ولم تأخذهم في ذلك لومة لائم.
إن المحبة في الله والأخوة الإيمانية(إنما المؤمنون إخوة)هي الوشيجة العظمى التي التقى عليها المؤمنون، ويلتقون عليها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وعلى هذه الوشيجة تنبني حقوق المسلم على المسلم، وهي كثيرة جداً: النصرة، والمودة والزيارة، والإكرام، والسلام، وحماية العرض، والمواساة وغير ذلك مما هو منصوص عليه في الكتاب والسنة. ومن هذه الحقوق:
1-المودة: وهذه للمؤمنين من بعضهم لبعض، فليس للكافر ولا للفاسق ولا للمبتدع فيها نصيب، ومن هذه المودة حب المسلم لأخيه المسلم ما يحب لنفسه كما قال صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) متفق عليه.
2-النصرة: وهذه واجب أخوي إيماني على كل مسلم لأخيه المسلم من أي جنس كان وفي أي أرض حل، وبأي لون كان، ينصره بنفسه وبماله وبالذب عن عرضه ولذلك ورد التهديد لمن يترك ذلك وهو قادر عليه. قال صلى الله عليه وسلم:(ما من امرئ يخذل امرءاً مسلماً في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته وما من امرئ ينصر مسلماً في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب نصرته. وقد امتدح سبحانه وتعالى الأنصار رضوان الله عليهم في نصرتهم لإخوانهم المهاجرين فقال سبحانه:(َالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) سورة الأنفال: 74.
ومن الأوامر النبوية في شأن النصرة قوله صلى الله عليه وسلم:(المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله عز وجل في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة. ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة) متفق عليه. والمسلم داخل المجتمع الإسلامي ما هو إلا عضو عامل كأي عضو من أعضاء الجسد فإذا حصل لهذا مرض أو اختل عمله تأثر لذلك بقية الجسد، ويصور ذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم في قوله الكريم."المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً". وقوله:"ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، وقال أيضاً:"المؤمن مرآة أخيه، والمؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه".
ولقد كان التحام المسلمين ونصرة كل منهم لأخيه مثالاً فريداً في تاريخ التلاحم والتواصل والتناصر سواء على مستوى الأمة أم الأفراد. حيث حققوا الموالاة والمعاداة على أوضح صورهما. ولن ينتصر المسلمون إلا إذا تحقق فيهم بعد صفاء العقيدة ووضوحها حب المسلم لأخيه كحبه لنفسه، وشعوره بآلام أخيه كشعوره بما يصيبه هو، وحب نصرته كما يحب أن ينصره هو، والله ينصر من ينصره إن الله لقوي عزيز.
وتتحقق النصرة بعدة أمور منها: الدفاع بالنفس عن الأخ المسلم، وكسر شوكة الأعداء الظالمين، وبذل المال له لإعزازه وتقوية جانبه، والذب عن عرضه وسمعته، والرد على أهل الباطل الذين يريدون خدش كرامة المسلمين. والدعاء للمسلم بظاهر الغيب بالنصر والتوثيق وتسديد الخطى، وتتبع أخبار المسلمين في أنحاء المعمورة والوقوف على أحوالهم ودعمهم بقدر الاستطاعة. وكل هذه الأمور تحقق للإنسان ولاءه لإخوانه المسلمين، وتجعله عضواً عاملاً صالحاً في جسم الكيان الإسلامي.
وتتحقق النصرة للمسلم بألا يتخلف عن أداء واجبه في اختيار المسلم الأصلح والأتقي كي يمثله في رعاية مصالحه، فإذا رسب الكفء وهو القوي الأمين، وفاز بالأغلبية من لا يستحق ممن لم يتوفر فيه وصف القوي الأمين فقد خالف أمر الله في أداء الشهادة، وقد دعي إليها، وكتم الشهادة عندما تكون الأمة أحوج إليها. وقد قال الله تعالى:(وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) البقرة:282. وقال الله:(فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)البقرة: 283. وقال رسول صلى الله عليه وسلم أنه قال:"أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون منه الصلاة"، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إن الله أنزل الأمانة في جذر قلوب الرجال فعلموا من القرآن وعلموا من السنة" وقد دلّت سنة رسول الله على أن الولاية أمانة يجب أداؤها في مواضع مثل قوله لأبى ذر رضي الله عنه في الإمارة:"إنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها". وقال النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة قيل يا رسول الله وما إضاعتها قال إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة".
إذا عرف هذا فليس على المسلم إلا أن يختار إلا أصلح الموجود لولاية المصلحة أو النقابة أو المؤسسة، يختار الأمثل الأتقى كل في منصب بحسبه، وإذا فعل ذلك بعد الاجتهاد التام فأخذ الولاية من هم أهلها فقد أدى الأمانة..وقام بالواجب في هذا الجانب..وقد قال الله تعالى:(وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) البقرة:282. وقال الله:(فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)البقرة: 283. (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) ونحن علينا الاجتهاد في تحري أهل الصدق والعدالة، وأهل الأمانة، والعدل.

الدكتور البشير
03-26-2005, 02:15 AM
ومن صور الموالاة الفكرية المناقضة لعقيدة البراءة من الكفر والكافرين والمنافقين التي وقع فيها بعض المسلمين بسب الجهل بدين الله تعالى:
1-الانخراط في الأحزاب والتنظيمات العلمانية أو الإلحادية كالشيوعية والاشتراكية والقومية والماسونية وبذل لها الولاء والحب والنصرة. وأعداء الإسلام يعرفون جيداً أن عدوهم الوحيد هو الإسلام، ومن أجل ذلك فهم يسعون جادين إلى تحطيم هذا الجبل الشامخ لأنه يعوقهم عن أهدافهم الاستعمارية كما يعوقهم عن الطغيان والتأله في الأرض كما يريدون، لذلك فهم يضعون التصورات والمناهج، ويوجدون الأحزاب والتنظيمات اللادينية التي لا تمت إلى هذا الدين بصلة من أجل أن تكون هي البديلة عن هذا الدين القيم. ومن ذلك: صورة من صور المذاهب الفكرية المعاصرة:-
أ- القومية والوطنية، اللتان تحصران الولاء في دائرة الجنس أو التراب فيلتقي فيها مثلاً اليهودي العربي والنصراني العربي والمشرك العربي، والبعثي العربي مع المسلم العربي لأن رابطة القومية العربية تجمعهم!! وهذا أمر يرفضه الدين الحنيف لأن الرابطة فيه هي رابطة العقيدة، فضلاً عن أن الوطنية والقومية ضيقتا دائرة الولاء. والهدف الأول والأخير من كل المذاهب الكافرة هو:إخراج المسلم من إسلامه وقطع ولاء المسلم بربه ودينه وإخوانه المؤمنين، ثم العودة إلى روح الجاهلية التي تتمثل في الطاعة والانقياد والخضوع لهذه المذاهب الكافرة ولطواغيتها الذين يخططون لها. والعودة أيضاً بالمسلمين إلى جاهلية العرق والنسب والتراب وسائر أنواع النتن التي أمر الله المسلمين بتركها لأنها تنقض عرى الإسلام عروة عروة. وهذا الهدف تتفق عليه كل المذاهب الكافرة باتجاهاتها المختلفة وانتماءاتها المتنوعة.
ب- المذاهب اللادينية(العلمانية):إن من أخبث وأخطر ما واجه المسلمين في عصرهم الحاضر انتشار المذاهب اللادينية بينهم، حيث أريد لهذه المذاهب الهدامة أن تمحو شريعة الله من الأرض وتقصيها من واقع حياة المسلمين. وتشتت ولاء المسلمين الواحد إلى ولاءات جاهلية متعددة، فإذا انتزع ولاء المسلم لدينه سهل حينئذ تقبله لأي فكر، ورضي بأي وضع يعيش فيه مهما كان في ذلك من التبعية والانهزام. وهي تفصل الدين عن الدولة، شؤون الحياة الأخرى، وأن الدين علاقة بين العبد وربه ولا دخل له في شؤون الحياة، كل ذلك كان ثماراً طبيعية للغزو الثقافي. ولن يصل المسلمون الصادقون إلى الدرجة الرفيعة إلا بالبراءة من كل منهج وتشريع أو مذهب أو حزب يخالف شريعة الله، والبراءة أيضاً من كل فكر أو فلسفة يناقض العقيدة الإسلامية التي كانت سبب نصر وعزة السلف الصالح. ووجوب استمداد حكم كل صغيرة وكبيرة من هذه الشريعة الربانية التي هي "صراط الله المستقيم. وقال صلى الله عليه وسلم:"تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك".
2-موالاة المنافقين الذين تظاهروا بالإيمان: يقول الله تعالى:(بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً) النساء:139. وهذه آية جامعة للتحذير من موالاة المنافقين الذين تظاهروا بالإيمان، ولم يوالوا أهله بل ناصبوهم العداء، وراحوا يطيعون فيهم اليهود والنصارى، فهي تشهير بالنفاق وتحذير من الاستشعار بشعاره والتدثر بدثاره.
ولقد نهانا الله سبحانه وتعالى أن نواد من حاد الله ورسوله:قال الله تعالى:{لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون}.
ونحن مستبشرون بخير إن شاء الله، لأن طلائع وبشارات الجيل الإسلامي الجديد الذي يخلص الأمة من هذا الهوان والضياع والتبعية بادية ظاهرة في كل صقع من أصقاع الأرض، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.
وختاماً نقول:إن كل المذاهب البشرية القائمة اليوم في الأرض التي لا تستمد وجودها من الكتاب والسنة محادة لله ولدينه وكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأي تقبل لها أو عمل بمبادئها فإن ذلك موالاة صريحة للكفار، وبراءة صريحة من الإسلام، والله قد بيّن لنا في كتابه العزيز أنّ من تولى الكفار فهو منهم:{وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ{ سورة المائدة: 51.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

almajd
03-26-2005, 01:30 PM
فعلا كل ما قلته صحيح يا دكتور والنفاق طغى على كل شيء لكن نسال الله السلامة والرحمة جزاك الله خيرا .