PDA

عرض الاصدار الكامل : نظرات في السياسة الامريكية


)muslim
03-05-2005, 11:19 PM
بسم الله الجبار العظيم

باسمك اللهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، بيدك الخير، انك على كل شيء قدير


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

لربما كان العنوان اكبر من المضمون، فكان الاولى ان اقول "ميزتان جديدتان للسياسة الامريكية"

لعل من المفيد، في هذه الايام، وبعد ان اصبحت صدورنا تتنسم مكر الله في امريكا وعالمها الرأسمالي مترامي الاطراف، وبعد ان بدأنا نحس جديا بأنه مفتوح قريبا باذن الله، لعله من المفيد ان نحاول ان نستوعب الوضع الجديد في السياسة الامريكية بالتحديد، بوصفها زعيمة الشر في هذا الكون، ومركز العمل الشيطاني المؤثر في هذا الكون.

ان ما لفت نظري لهذا الموضوع، أنني منذ فترة طويلة، وحتى قبل سقوط البرجين، وأنا أحاول ان افهم السياسة الامريكية، والخطط الامريكية العريضة، خاصة ما يتعلق منها بالشرق الاوسط. فلا أكاد اجد عندهم امرا ثابتا، وكلما ظننت انني فهمت خطا عريضا، او خطة اساسية، سرعان ما أجدهم يخرجون عن السكة بالاتجاه المعاكس احيانا، وباتجاه مواز احيانا، او عمودي احيانا اخرى.

فتارة تتصور ان اسرائيل تمسك رئيس امريكا من أذنه فتشدها متى أرادت، وتارة ترى امريكا تمسك اذن شارون، او ايا كان اسمه، فتشدها متى أرادت، وتارة تراها تحث الخطى باتجاه فلسطين، وتارة اخرى تهمل الموضوع كليا، فتذر الطرفين ينهكان بعضهما بعضا.

ولا يفوتني ان انوه، الى انه في عالم التحليل السياسي بما يحويه من كشف الحقائق او رسم الصور الفرضية وحبك القصص التي تختلط على المرء فتشبه الحقائق، من السهل التوفيق بين كل شيء، ودائما يجد المجادل ما يقوله. فالامر ليس لعبة شطرنج او قانون رياضيات. فمن اراد ان يقول ان السياسة الامريكية لم تتغير، وانها كلها تصب في خط واحد قديم، فيمكنه التوفيق بين كل ما صدر عن الادارة الامريكية الحالية والسابقة.

فالمسألة ليست فيمن يفترض ان الخطوط العريضة لم تتغير، وليست فيمن يفترض انها تغيرت، ثم يحاولان جمع الاخبار والاحداث والتوفيق بينها، بل المسألة عند من يتابع الاخبار والاحداث والمستجدات والعلاقات الدولية والاوضاع الداخلية بتجرد، فيستنتج من استقرائها ان كان هناك جديد ام لا.

أول ما احب أن الفت النظر اليه، هو أن الهوة أخذت تتسع، والنتوءات أخذت تبرز وتكبر وتتضح، بين اطراف عدة تؤثر في السياسة الخارجية الامريكية. فلم تعد السياسة الخارجية الامريكية مقيدة بقرارات ونشاطات وزارة الخارجية والرئيس، ولم تعد الوزارات والمؤسسات الخلفية والشخصيات والشركات الاخرى تكتفي باعطاء الرأي والمشورة للخارجية والرئيس. بل ان بروز نتوءات مثل وزير الدفاع رامسفيلد، وسوداء القلب خنزيريسّا، اصبح يؤثر في السياسة الخارجية، ويصنع فيها احداثا، ويتخذ فيها قرارات، تجعل من باول احيانا مراسلا او سكرتيرا خاصا مطيعا.

وربما كان من مكر الله لنا، ان جعل عليهم رئيسا ضعيفا، ووزير خارجية ضعيف.

والخلاصة أنه من المعقول ان نقول، ان اطرافا عدة في امريكا اليوم، اصبحت تملك ان تؤثر في السياسة الامريكية الخارجية، ومن يدري، فربما يكيد بعضها لبعض، ويعرقل بعضها خطى بعض، ولنقل ان هذا الاخير مجرد احتمال او اعتبروه امنية لها ما يبررها.

والميزة الهامة الاخرى للسياسة الامريكية - كما أراها - هي التقلب، بل سرعة التقلب، والاضطراب الذي يصل حد التناقض احيانا.

لقد بالغت هذه الادارة الامريكية في موضوع البراغماتية حتى افقدتها شكلها ولونها وطعمها.

ووقعت تحت تأثير ضغوطات عدة، في الداخل وعلى رأسها الوضع الاقتصادي ويهود، وفي الخارج وعلى رأسها مشاكل الكرة الارضية عامة. فلا تكاد تأخذ قرارا او ترسم خطة الا وهي تحت تأثير مد وجزر هذه الضغوطات.

فلا يكاد يوجد ثوابت، ولا خطط ثابتة، وذلك 1 - لكثرة المشاكل 2 - وتسارع الاحداث، 3 - وقوة المنافسة، 4 - وتولد احداث بغير الايادي الامريكية، 5 - ووجود امريكا تحت وطأة وسخونة الحاجة الملحة للمال والموارد والاسواق لتلافي التفكك والانهيار 7 - واهتزاز الثقة بعقيدة فصل الدين عن الحياة، في السياسة الخارجية على الاقل.

فمثلا خطة الطريق، صحيح انها خطة امريكية تأتي ضمن الخط الامريكي العريض القديم، غير ان ما ذكرته من اسباب سبعة، جعل امريكا تتوسع او تقبل او تسكت عن تكتيكات وأحداث تخرج القطار عن مساره، حتى لا يعود لتلك الخطة معنى الا في ذهن بوش او احد او بعض افراد عصابته، وأعطت المجال لشارون يفعل ما يشاء، غير آبه بأبي مازن ولا حكومته ولا قوته ولا من يقف وراءه.

وان ما يقوله بوش في الصباح ينساه او يغيره في الليل، ويظهر عليه بشكل واضح عدم التركيز وعدم الاهلية لان يكون زعيما يتحكم بهذا الكم الهائل من المقدرات والخيوط. فمثلا قد يكون رأيه اليوم انه يريد ان يطرد عرفات، ثم يتصل به شخص ما، او يحلم في الليل حلما مزعجا، فيغير رأيه. وقد يعطي رأيه، فلا يأخذ به شارون، فلا يشعر بأي اهانة، ثم لا يلبث ان يوافق على رأي شارون عندما يراه حقيقة واقعة. وهو يوهم نفسه في حياته الدونكيشوتية، ان الاهداف الامريكية بعيدة المدى، وانها تحتاج لصبر، ولظروف مناسبة اكثر، ويقبل كل ما هو حاصل على انها تكتيكات آنية.

لذلك فانني ارى من الخطأ ان تعطى هذه الادارة الامريكية اكبر من حجمها، فهي ليست السيد الامر الناهي الا على العملاء، وهي لا زالت تخرج من فشل الى فشل، ومن خطأ الى خطأ.

هذا خط عريض، آخذه بعين الاعتبار عند النظر الى هذه الادارة الامريكية، لا يوجد ثوابت او خطط ثابتة، بل تخبط لرجل مريض يوشك ان يقعد.

وبرأيي أنه خط هام جدا، لا بد من أخذه بعين الاعتبار عند النظر الى ما يجري او سيجري على ساحة الشرق الاوسط خاصة، وفي العالم عامة، وتكمن اهميته في انه لا بد لنا من ان نتمرس في ادراكنا وفهمنا وتحليلنا السياسي لامتلاك درجة مرونة عالية، وعدم الجمود على امور او خطط او خطوط ليست مقدسة عند اصحابها فسرعان ما تتغير، ودرجة حساسية عالية لاستيعاب المتغيرات والمغيرات بالسرعة المناسبة.

والا ضاعت الجهود في محاولة التوفيق، وتفسير ما لا يمكن تفسيره، وشيئا فشيئا نشطح بعيدا عن واقع الامور، فنفسرها تفسيرا خاطئا بعيدا عن مرادها ومتعلقاتها الحقيقية.

وهذا الرأي - اخواني الكرام - ليس له علاقة بموضوع عرفات، هل سيطرد ام يقتل ام لا؟ فقد يفهم من تبنى هذا الخط العريض انه سيطرد، وقد يفهم انه لن يطرد، ليس هذا هو المهم، بل المهم ان نبقى متيقظين متنبهين الى الزوايا التي كثرت في سكة الحديد السياسية الامريكية الصدأة.

والسؤال الهام هو: هل ستصبح هذه الامور سمة للسياسة الخارجية الامريكية بشكل عام، أم أنها سمة للادارة الامريكية الحالية، وربما ستتغير بتغيرها؟

لا أملك جوابا قاطعا، ولكني ارجح انها ستبقى وستطغى لان اسبابها باقية، فحتى لو أتى رئيس قوي، فان النتوءات الرأسمالية حوله قد فرت من لجمها، واشتمت رائحة الدم، وان الاوضاع الاقتصادية باقية بل تتهاوى، والمنافسة الاوروبية في ازدياد، والتطرف النصراني الرأسمالي في ازدياد، ومشاكل العالم ايضا في ازدياد، واني لارى بني اسرائيل يمكرون مكرا عظيما، وانهم في حالة التفلت واللعب على الحبال.

والله تعالى أعلم