PDA

عرض الاصدار الكامل : مؤتمر لندن وخباياه, عبد الباري عطوان


)muslim
03-03-2005, 04:02 AM
تحتضن العاصمة البريطانية اليوم مؤتمرا مجهول الهوية ، يشارك فيه مجموعة من وزراء الخارجية العرب والاوروبيين، علاوة علي السيدة كونداليسا رايس وزيرة خارجية الولايات المتحدة، ويرعاه توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا.

الهدف المعلن من هذا المؤتمر هو اعادة تأهيل السلطة الوطنية الفلسطينية ومساعدتها علي تنفيذ الاصلاحات السياسية والاقتصادية التي تصل بها الي درجة من الكفاءة تجعلها اهلا للجلوس علي مائدة المفاوضات مع المسؤولين الاسرائيليين.

السيد محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، هو الرقم الاهم في هذا المؤتمر، لانه منتخب ديمقراطيا، ويجسد الطموحات الغربية في كونه زعيما معتدلا واقعيا يمكن ان يحقق السلام مع الاسرائيليين، وفق الشروط الامريكية والبريطانية، التي ليست بعيدة عن الشروط والمواصفات الاسرائيلية.

الاصلاحات التي يريدها مؤتمر لندن هي ذات شقين اساسيين، الاول اقتصادي وهو شكلي، والثاني امني وهو الاهم، والسبب الرئيسي لعقده في ظل هذا الحشد الدولي الكبير.

الاصلاحات الاقتصادية معروفة، وتتلخص في كيفية القضاء علي الفساد بكل اشكاله، واعادة بناء البني التحتية للاقتصاد الفلسطيني، التي دمرها الاحتلال، لخلق وظائف جديدة، وتحسين الاوضاع المعيشية للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة. ولهذا سيتم رصد مبلغ ستة مليارات دولار لاستثمارها علي مدي اربع سنوات، تدفعها الدول المانحة.

الاصلاحات الاقتصادية هي غطاء او بالاحري رشوة مقنعة، تخفي السبب الاهم وهو الاصلاحات الامنية، او تمهد لها، فالمطلوب الان خلق اجهزة امنية جديدة مدربة في دول عربية، مثل مصر والاردن تحت اشراف بريطاني وامريكي، حتي تصبح قادرة، وفي المستقبل القريب، علي اداء الوظيفة الاهم، وهي التصدي لحركات المقاومة ونزع اسلحتها، اي تدمير البني التحتية للارهاب الفلسطيني، مثلما يردد شارون ويؤيده كل من الرئيس جورج بوش وحليفه بلير.

بمعني آخر مهمة مؤتمر لندن اعادة بناء البني التحتية للاقتصاد الفلسطيني مقابل تدمير البني التحتية للمقاومة الفلسطينية، بما يسهل فرض الحل الامريكي ـ البريطاني، اي قيام دولة فلسطينية ناقصة السيادة، مقابل اسقاط حق العودة لاكثر من خمسة ملايين لاجئ فلسطيني، والتنازل عن معظم القدس المحتلة، ان لم يكن كلها!

توني بلير اراد هذا المؤتمر لاخفاء خداعه للرأي العام البريطاني وذهابه الي الحرب في العراق علي اساس اكذوبة اسلحة الدمار الشامل، وعلي امل كسب اصوات المسلمين واليسار في بريطانيا، الحلفاء التقليديين لحزبه، خاصة ان الانتخابات العامة باتت علي بعد شهرين، والفارق بينه وبين حزب المحافظين المعارض يتقلص بشكل سريع. اي انه اصبح مثل الزعماء العرب يستخدم القضية الفلسطينية لتثبيت نفسه في الحكم، وتحقيق اهداف سياسية داخلية محضة.

الاسرائيليون رفضوا المشاركة في المؤتمر، لانهم لا يريدونه سياسيا، ويرفضون اعطاء اي دور للاوروبيين في عملية السلام، والاهم من هذا وذاك انهم نجحوا في تثبيت مفهومهم، الذي روجوه دائما، ويقول بان الفلسطينيين هم العقبة في طريق السلام بسبب فسادهم وارهابهم، ولا بد من ادخال قيادتهم في دورات تدريبية تؤهلهم للارتقاء للمستوي الحضاري الاسرائيلي المتقدم. وكأن هؤلاء الفلسطينيين يعيشون في الغابات، ويقيمون في الكهوف، ولهم ذيول.

ومن المفارقة ان مقاطعة الاسرائيليين لمؤتمر لندن، التي كانت صفعة لتوني بلير شخصيا، لم تمنعهم من التدخل في صياغة بيانه الختامي، وفرض وجهة نظرهم علي جدول اعماله وسير مناقشاته، وهو امر يدل علي مدي استسلام الحكومة البريطانية لهم، وحرصها الشديد علي عدم اغضابهم، الامر الذي يثبت منذ الان ان المؤتمر لن يتمخض عن النتائج المرجوة منه، سياسيا علي الاقل.

القضية الفلسطينية تتحول وبشكل تدريجي من قضية سياسية الي قضية امنية، فالهدف الذي يسعي مؤتمر لندن لتحقيقه مثل كل المؤتمرات ومبادرات السلام الاخري هو توفير الامن للاسرائيليين وليس العدالة للفلسطينيين. ويبدو ان القيادة الفلسطينية الجديدة بدأت تتبني هذا التحول الخطير وتصادق عليه بقبولها المشاركة في المؤتمر الحالي، وفق الشروط الاسرائيلية الامنية.

فمثلما اسس مؤتمر قمة شرم الشيخ الرباعي لانهاء الانتفاضة، وفتح ابواب التطبيع العربي كاملة امام حكومة شارون، فان مؤتمر لندن سيؤسس الي تحميل العرب الممثلين بوزراء خارجيتهم تبعات الحلقة الثانية المكملة لشرم الشيخ، اي تمويل الاحتلال الاسرائيلي للضفة والقطاع.

فالحكومات العربية، والخليجية منها بالذات، هي التي ستدفع النسبة الاكبر من المبلغ المرصود لدعم السلطة واقتصادها، ومعظم هذه المبالغ ستدخل الي السلطة من بابها الرئيسي لتخرج من بابها الخلفي الي الخزانة الاسرائيلية. اي ان العرب سيدعمون الاقتصاد الاسرائيلي بطريقة غير مباشرة، لان الاقتصاد الفلسطيني هو زائدة دودية ملتصقة بالقولون الاقتصادي الاسرائيلي، فكل الاحتياجات الفلسطينية يتم الحصول عليها عبر البوابة الاسرائيلية!

من المفترض ان تضع الحكومات العربية شروطا قبل دفع اي فلس من المبلغ المذكور، مثل انهاء الاحتلال الاسرائيلي، ورفع الحصار المفروض علي الفلسطينيين، وازالة حواجز الاهانة والقهر، والافراج عن المعتقلين، والاهم من هذا وذاك، اخذ ضمانات امريكية واضحة بعدم اقدام اسرائيل علي تدمير البني التحتية الفلسطينية الاقتصادية خصوصا، بعد اعادة بنائها.

وزراء الخارجية العرب لن يفرضوا اي شروط لانهم جاءوا للبصم، وتلبية كل الاملاءات الامريكية، لان المهم هو ارضاء امريكا، وتجنب عصا اصلاحاتها.

نأمل ان لا يكون هذا المؤتمر مجرد حملة علاقات عامة، وجزءا من ثقافة الكذب، التي مارستها حكومة بلير علي مدي السنوات الماضية، بهدف التغطية علي جريمة غزو العراق، وجرائم المستقبل المقبلة، التي بدأ التخطيط لها في ضرب سورية وايران. فمن الصعب علينا الثقة بأي كلمة او وعد تطلقها هذه الحكومة وحلفاؤها في واشنطن بعد الاسس الكاذبة التي استخدمت لغزو العراق.

عبد الباري عطوان