عرض الاصدار الكامل : سيرة الشيخ عبدالله عزام .. كتب وابحاث للشيخ
الراشد
06-16-2005, 03:45 PM
عبد الله عزام
ولد الشهيد عبد الله عزام رحمه الله في جنين عام 1360هـ.
انهى دراسته الإبتدائية والثانوية في قريته، ثم واصل تعليمه بكلية "خضورية الزراعية"، ونال منها الدبلوم بدرجة "إمتياز"، ثم عمل في سلك التعليم، وواصل طلبه للعلم الشرعي حتى انتسب إلى كلية الشريعة في جامعة دمشق، ونال منها شهادة الليسانس في الشريعة بتقدير "جيد جدا" عام 1386هـ.
وبعد سقوط الضفة الغربية عام 1387هـ عاد إلى فلسطين ليؤدي فريضة الإعداد والجهاد فشارك في العديد من المعارك.
ثم انتسب إلى الازهر فحصل على شهادة الماجستير في أصول الفقه عام 1389هـ بتقدير "جيد جدا "، وعاد سنة 1390هـ إلى الاردن ليعمل مدرسا في كلية الشريعة بعمان، وبعث من قبل الكلية إلى الأزهر للحصول على شهادة الدكتوراه في أصول الفقه، حيث حصل عليها سنة 1393هـ.
وفي عام 1400هـ صدر قرار الحاكم العسكري الاردني بفصله من عمله في الكلية، فانتقل إلى الجزيرة العربية للتدريس في جامعة "الملك عبد العزيز" بجدة.
اعير سنة 1401هـ إلى الجامعة الإسلامية الدولية بإسلام آباد للتدريس حسب طلبه ليكون قريبا من الجهاد الأفغاني، بعد انتهاء مدة الاعارة رفضت جامعة "الملك عبدالعزيز " تجديد العقد، فقدم الشيخ استقالته وتعاقد مع الرابطة عام 1406هـ.
بدأ الشيخ رحمه الله في العمل الجهادي مع المجاهدين الأفغان عام 1402هـ، وقد قام عام 1404هـ بتأسيس "مكتب الخدمات".
ثم قد قدم استقالته من الجامعة الاسلامية بإسلام آباد، وتفرغ للعمل الجهادي وتحريض الامة.
وفي 24/ربيع الآخر/1410هـ وبينما كان الشيخ في طريقه إلى مسجد "سبع الليل" في بيشاور لإلقاء خطبة الجمعة مرت سيارته من فوق لغم كان قد زرعته ايدي الكفر العالمي، فقتل شهيدا - نحسبه كذلك والله حسيبه -
ظن أعداء الله انهم بقتل الشيخ –رحمه الله – سيخنقون الصوت الذي كان يقض مضاجعهم ومضاجع عملائهم، ولكن هيهات هيهات .. فقد استيقظ المارد وخرج من قمقمه .. ورحم الله سيدا إذ يقول: (إنّ كلماتنا ستبقى ميتة أعراسا من الشموع لا حراك فيها جامدة، حتى إذا متنا من أجلها إنتفضت حية و عاشت بين الأحياء)، فها هم شباب الجهاد اليوم ؛ ذلك الشباب الطاهر المتوضئ يذيقون أمريكا وحلفاءها وعملاءها في مشارق الأرض ومغاربها من ذات الكأس التي أذاقت غيرها منه لسنوات طويلة، والقادم أدهى وأمر بإذن الله.
رحم الله الشيخ عبد الله عزام وجزاه الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء.
كتب وأبحاث لعبد الله عزام...القرآءالتنزيل
العقيدة وأثرها في بناء الجيل
الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيانآيات الرحمن في جهاد الأفغان
في ظلال سورة التوبة
عشاق الحور
إتحاف العباد بفضائل الجهاد
إعلان الجهاد
الحق بالقافلة
في الجهاد آداب وأحكام
أذكار الصباح والمساء
الأسئلة والأجوبة الجهادية
الإسلام ومستقبل البشرية
التآمر العالمي
في الجهاد فقه واجتهاد
الذبائح واللحوم المستوردة
"الشيوعية" السرطان الأحمر
القواعد الفقهية
القومية
إنحلال الزواج في الفقه والقانون
بشائر النصر
تجار الحروب
جريمة قتل النفس المسلمة
جهاد شعب مسلم
العقيدة وأثرها في بناء الجيل
بسم الله الرحمن الرحيم
[الكاتب: عبد الله عزام]
(رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري) (طه: 25).
(ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب) (آل عمران: 8).
(ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين) (البقرة: 286).
(ربنا آتنا من لدنك رحمة وهي لنا من أمرنا رشد) (الكهف: 10).
(ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) (البقرة: 201).
(ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما) (القرقان: 74).
(ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب) (إبراهيم: 41).
(ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم) (الحشر: 10).
أحببت أن أضع بين يدي القارىء الكريم حقائق ضخمة غائبة عن الأذهان في كتيب صغير، مع أن الحياة كلها تدور على محور هذه الحقائق، ويقوم الكون كله على معرفة هذه المبادىء والإلتزام بها.
ولقد نوهت في مقدمة هذا الكتيب بأهمية العقيدة في الحياة البشرية، وأن شقاء البشرية راجع إلى انفلاتها من حوزة هذه العقيدة.
ثم أتبعت المقدمة بتسعة فصول: كان الفصل الأول منها حول معاني العقيدة والتوحيد، وبينت فيه أن الكون كله يوحد الله ويعبده.
ثم تلاه الفصل الثاني: الذي يبين أن ضنك البشرية راجع إلى تحريف العقيدة، وأن الصراع بين العلم والدين مرده إلى عدم معرفة العقيدة الصحيحة.
ثم جاء الفصل الثالث: ليبين بعض خصائص العقيدة، ويضع الإنسان في مستقره الأساسي منها.
ثم تلاه الفصل الرابع: الذي يبين صفات الله عزوجل، وحاولت فيه إقامة معبر بين رأي السلف والخلف في الصفات.
ثم أتبعه الفصل الخامس: الذي يبين القضية الكبرى التي جاء هذا الدين ليقررها وهي الرضا بحكم الله.
وجاء الفصل السادس في مكانه المكين: الذين يبين أن رفض شريعة الله خروج من حوزة هذا الدين.
وأما الفصل السابع: فهو التأويلات التي تتردد على ألسنة الناس لآيات التشريع، وتنقل نصوصا ليست في موضع النزاع وتريد أن تطبقها على واقع مختلف تماما عن الواقع الذي قيلت فيه.
وتلاه الفصل الثامن: الذي جاء فيه براهين قاطعة بإحصائيات عددية ووقائع حسية أن الشقاء اليوم هو بسب البعد عن هذه العقيدة.
واختتمت الفصول بتاسعها الذي أوردت فيه نماذج ممن ربتهم هذه العقيدة وصنعتهم هذه المبادئ وأخرجتهم هذه القيم إلى الوجود منارات يهتدي بهم المدلجون، ويقتفي أثرهم كل من أراد السعادة والنجاة.
المقدمة؛ المنهج الرباني في بناء النفس الإنسانية
[الكاتب: عبد الله عزام]
(أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون) (آل عمران: 83).
العقيدة: هي الضابط الأمين الذي يحكم التصرفات، ويوجه السلوك، ويتوقف على مدى انضباطها وإحكامها كل ما يصدر عن النفس من كلمات أو حركات، بل حتى الخلجات التى تساور القلب والمشاعر التي تعمل في جنبات النفس، والهواجس التي تمر في الخيال، هذه كلها تتوقف على هذا الجهاز الحساس.
وباختصار؛ فالعقيدة هي دماغ التصرفات، فإذا تعطل جزء منها أحدث فسادا كبيرا في التصرفات، وانفراجا هائلا عن سوي الصراط.
ولذا فقد عني القرآن الكريم ببناء العقيدة، فلا تكاد تخلو أية سورة - مكية كانت أو مدنية - من شد الإنسان بكليته إلى ربه، وربط كل تصرف بهذه العقيدة التي تمثل القاعدة الأساسية لهذا الدين الذي لا يقوم بدونها، وبخاصة السور المكية التي أفردت لبناء هذه العقيدة، فلقد كانت العقيدة هي الموضوع الوحيد الذي عالجته السور المكية.
وعلى هذا فإن كل الإنحرافات التي نعانيها في سلوكنا - أفرادا أو جماعات - راجعة بكليتها إلى الإنحراف في التصور العقدي، فالناس في هذه الأيام بحاجة إلى بناء العقيدة من جديد، وإلى تصحيح التصور الإعتقادي، فلا بد من إفراد الله سبحانه بالألوهية، ولا بد من أن تستقر عظمة الله عزوجل في الأعماق، وأن يعمر النفوس حبه، ولا مناص من أن تحيا القلوب وهي تستشعر هيبته وجلاله.
ويقوم هذا الدين على:
1) حقيقة الألوهية.
2) حقيقة العبودية.
3) الصلة بين العبد وربه.
هذه أمور ثلاثة لا بد من استقرارها في النفوس؛ معرفة الله وقدره، ومعرفة العبد وحده، والصلة بين الخالق والمخلوق.
وعلى هذا فإنه من العبث تتبع فروع الشرع وطلبها من شخص لا ترسخ في قلبه حقيقة هذا الدين، ولا تستقر في كيانه عظمة الله التي تهيمن على كل سكنة ونأمة وحركة في هذا الكون.
والحق أن الناس اليوم غابت عنهم حقيقة هذا الدين العظيم، ومثل كثير منهم - حتى الذين يقيمون الشعائر التعبدية - كمثل الأعمى الذي أمسك بذنب الفيل ويحسب أنه يمسك بين يديه جسم الفيل، حتى إذا طلبت منه أن يصف لك الفيل انبرى يصوره بأنه شعرات مرتبطة بعضلة قاسية، ولو اجتمع أهل الأرض لإقناعه أن الفيل سوى ذلك ما استطاعوا أن يصرفوه عن ظنه.
وقد أصبح اليوم لدينا شيء مألوف أن نرى شخصا يداوم على العبادات وهو في نفس الوقت يزوال أعمالا تخرجه من إطار هذا الدين، كالاستهزاء بسنة ثابتة عن رسول الله ص، أو بفرضية وردت في محكم التنزيل، وهو لا يعلم أنه بالإستهزاء إنما يهزأ من أوامر الله، ويسخر منها، وهذا الذي اتفق أهل الذكر من هذه الأمة، أنه يعني ردة المستهزئ وخروجه من الإسلام.
ومن هذا القبيل سب الدين، أو سب الله أو رسوله، فمن فعلها حكم عليه بالردة، وقد قال بذلك مالك والشافعي وأحمد والليث وإسحق مستندين إلى قوله تعالى؛ (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر) [1] (التوبة: 12).
وقد غاب عن أذهانهم كذلك ما يترتب على هذه الكلمة من نتائج.
أقول: إن كلمة الطعن في الدين وما يترتب عليها من بينونة زوجته منه رأسا، واعتبار العقد مفسوخا مباشرة، ومن خروجه من إطار الدين، وسقوط حجة الإسلام، وحرمانه من الإرث من أقاربه المسلمين، وحرمان أبنائه من الإرث منه، وغير ذلك من الأحكام خافية على معظم الناس، وكأين من رجل يسب دين زوجته ثم يبقى متصلا بها ينكحها، ولا شك أن هذا كالزنا تماما وأن أولاده حكمهم حكم أبناء الزنا.
أعود لأقرر الحقيقة الكبرى أن الناس لا يعرفون حقيقة هذا الدين، ويخلطون بين مناهج متعددة في حياتهم، قسم ضئيل من منهاج حياتهم من دين الله، وأما معظم المنهاج الذي يوجه حياتهم فهو من صنع هواه أو هوى غيره من البشر، (أرايت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا، أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا) (الفرقان: 43 - 44).
وعلى هذا فإني أرى أن التركيز على مسائل فرعية من الشريعة بالنسبة للناس أمر غير منطقي، بل محاولة عابثة لاستنبات البذور في الهواء، ولا يمكن أبدا بتجميع أغصان نضرة مع بعضها في الهواء أن يتكون منها شجرة ذات جذور ضاربة في أعماق الأرض، لا بد من سلوك المنهاج الرباني الذي رسمه الله لهذا الخلق. فلا بد من زرع البذرة في التربة، ثم تعهدها حتى تستوي قائمة على أصولها، ثم تمتد بفروعها وأفنانها.
وهكذا بالنسبة لهذا الدين العظيم لا بد من اقتفاء السبيل الذي رسمه الله لهذا الكائن حتى يحمل هذا الدين. لا بد من بناء الأساس بغرس البذرة في أعماق الأرض - أي غرس العقيدة في أعماق القلب -
والعقيدة هي الأساس المكين الذي ترتكز عليه فروع هذا الدين كله، ومن العبث محاولة إشادة بناء ضخم بلا أساس.
ومن هنا: فإن محاولة تتبع فروع الشريعة بالتفصيل والتعليل هو اشتغال بالمهم قبل الأهم، ولا يمكن أن تؤتي هذه المحاولة أكلها التي نرجو، والثمار التي نأمل. ومن الأولى أن نتبع المنهاج الرباني في بناء هذا الدين للنفس البشرية، وذلك بترسيخ العقيدة أولا في الأعماق، ثم مطالبة النفس بعدها بأوامر الشريعة كلها، إذ المنهاج الرباني في تربية النفس جزء من العقيدة ذاتها.
ولا ننسى أن الداعية إلى رب العالمين لا بد أن يتمثل فيه المنهاج الإلهي كاملا، ولا بد أن يكون مصحفا يمشي على الأرض، يتحرك فيتحرك بحركته القرآن، فالداعية يطالب بالشريعة كاملة، ولكنه في الوقت نفسه لا يطالب الناس بفروع الشريعة قبل أن يعلمهم هذا الدين، ويشد أنظارهم إلى إطاره الكامل الشامل، وبعد أن يرسموا في أذهانهم الصورة الكاملة للإطار، يدخل معهم داخل الإطار ليعلمهم تفاصيل هذا الدين وتفريعاته.
وهكذا قام الإسلام أول مرة في النفوس البشرية، وهكذا يقوم في كل مرة يحاول فيها بناء هذه النفوس بالإسلام، ولا مناص من اقتفاء هذا السبيل، ولا مفر من انتهاجه.
فكما أن هذه الأوامر والنواهي فريضة من عند الله، واتباعها فرض لازب في رقابنا، فكذلك اقتفاء المنهج الرباني في بناء النفس فرض كذلك، وكل محاولة لإقامة هذا الدين بغير المنهاج الرباني لا بد أن تبوء بالفشل، وذلك لأن هذا الدين لا يكون ولن يكون إلا كما أراد الله، ولن يبنى إلا بنفس المنهج الدي رسمه رب العالمين، وكل منهاج بشري نستعمله لإيصال حقيقة هذا الدين إلى الناس هو فاشل لا محالة، وهو عبث وملهاة ولعب.
لا بد من اتباع المنهج الرباني القيم الذي رسمه رب العالمين، وسلكه سيد البشرية محمد صلى الله عليه وسلم لإيصال دين الله إلى قلوب البشر، ولا بد من البدء بالعقيدة من تعريف الناس بإلههم الحق، وبحقيقة وجودهم على هذه الأرض، والمهمة المنوطة بهم إبان مرورهم بهذه الدنيا، من المسؤول عنهم؟ أي منهاج يجب أن يحكمهم؟ صلة هذا الإنسان بالكون من حوله، مكانة هذا الكائن من الكون.
وبعبارة أقصر؛ إقرار جلال الله ورهبته وهيبته في أعماق قلب الإنسان وطريقة الوصول إلى رضاه.
ومن ثم وفي هذا الوقت فإني لا أرى تتبع الجزئيات من هذا الدين في سلوك الناس، كالشرب باليمين، وترك التدخين، والشرب جالسا، إلى غير ذلك من هذه التفاصيل التي لا تحتملها ولا تطيق الدوام عليها إلا نفوس بنيت على العقيدة، وجبلت بعظمة الإيمان.
لا بد أن نيدأ مع النفس البشرية من حيث هي، بحيث نلتقطها من هذا الحضيض الذي هبطت إليه، ثم نسير معها صعدا نعطيها الإيمان جرعة جرعة، نواكبها في نموها ونقيل لها عثراتها، ونردها من هنا، ونهذبها من هناك، حتى تشب قائمة على عودها، صلبة لا تهزها الزلازل، ثابتة لا تجتثها الأعاصير.
وهنا فقط نطلب منها كل ما يريده الله منها، فتنفذ وهي راضة مستسلمة مطمئنة أن الخير كله فيما نفذت، لأن الخير كله منحصر في منهاج الله، والشر كل الشر في الخروج عن منهاج الله: (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن اعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا) (طه: 123 - 124).
وأعود فأذكر أن النفوس التي تقدم الإسلام للناس لا مناص لها من أن تكون شريعة تدب على الأرض، وتأخذ بالعزائم، ولا بد لها من أن تكون المرآة الصافية التي تعكس حقيقة هذا الدين أصوله وفروعه، إذ لا بد لها من أن يكون لحمها ودمها هو هذا الدين الذي إليه تدعو، والمنهاج الذي تهتف بالناس أن ينهجوا، (هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب) (إبراهيم: 25).
الراشد
06-16-2005, 03:51 PM
العقيدة وأثرها في بناء الجيل
الفصل الأول؛ التعريف بالعقيدة والتوحيد
[الكاتب: عبد الله عزام]
نعنى بالعقيدة: الإيمان بأركانه الستة، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم بإسناده عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ص:... قال يا رسول الله ما الإيمان؟.. قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ولقائه ورسله وتؤمن بالبعث وتؤمن بالقدر كله) [2].
وفي حديث عمر الذي أخرجه مسلم مرفوعا إلى رسول الله ص: قال فأخبرني عن الإيمان؟ قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) [3].
والعقيدة لغة؛ فعيلة، من عقد بمعنى معقودة (بمعنى اسم المفعول) عقد الحبل والبيع والعهد يعقده: شده، والعقد: العهد [4].
فكأن العقيدة هي العهد المشدود والعروة الوثقى، وذلك لاستقرارها في القلوب ورسوخها في الأعماق.
أما الشهادتان: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فهما القاعدة الأساسية والأولى التي يقوم عليها صرح هذا الدين، وهو الطريق الوحيد الذي يوصل سالكه دار السلام: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرحهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم) (المائدة: 16).
وهذه القاعدة - توحيد الله في الألوهية - هي الركن الأساسي بل الأساس المكين الذي قام عليه كل دين نزل من عند الله: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) (الأنبياء: 25).
وهذه القاعدة (لا إله إلا الله) تعني في أبسط صورها أن هذا الكون منبثق عن إرادة هذا الإله الواحد، بأمره يسير، وبقدره تدبر أموره، وكل خلق من مخلوقاته أمره بيده، لا يخرج عن إرادته، ولا يند عن مشيئته؛ (قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) (طه: 50).
(سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى) (الأعلى: 1 - 3)، (سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون) (يس: 26).
هذه نقطة لا تغيبن عن بالنا، أن كل شيء في الكون صنع بيد الله العزيز الحكيم، (الذى أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين) (السجدة: 7).
وأما النقطة الثانية؛ فهي أن كل مخلوق في هذا الكون جندي من جنود الله، يؤمر ويطيع، ويدعى فيلبي؛ (أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون) (آل عمران: 83)، (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها، قالتا أتينا طائعين) (فصلت: 26). فالسموات والأرض وما فيهن جنود مطيعة لرب العالمين.
(وله من في السموات والأرض، كل له قانتون) (الروم: 26)، أي مطيعون خاشعون، (سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم) (الحديد: 1).
(وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) (الإسراء: 44). ولذا فالجبال والماء والأرض والسماء كلها مخلوقات لله، وجند من جنوده، (ولله جنود السماوات والأرض، وكان الله عليما حكيما) (الفتح: 4).
فلقد وجه رب العالمين الأمر إلى النار فاطاعت: (يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم) (الأنبياء: 69).
ونادى الجبال فأصغت: (ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنأ له الحديد) (سباء: 10).
وأما الثالثة: فقد يسخر الله بعض جنوده لطاعة عبد من عبيده.
(ولسليمان الريح غدوها شهر، ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير * يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات) (سبأ: 11 - 12).
ويقول لموسى عليه السلام: (اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا) (الأعراف: 160).
وأما المسألة الرابعة: فكل كائن من مخلوقات الله له منهاج رباني يسير عليه لا يستطيع الخروج عنه قيد أنملة ولا شعرة، فالشمس لا يمكنها أن تخرج عن المدار الذي أمرها الله أن تدور فيه، ولو خرجت زاوية واحدة عن محورها لتحطمت وحطمت الكثير، وكذلك القمر، والأرض، وهذا هو ناموس الله في هذا الكون لكل خلق عدا الثقلين: الإنس والجن.
وقد تتجلى مظاهر هذه العبودية أحيانا لعبد من عبيد الله بإرادة الحاكم الآمر، ومن ذلك ما يحدثنا الإمام أبو الحسين مسلم بإسناده عن جابر بن سمرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنى لأعرف حجرا بمكة كان يسلم على قبل أن أبعث، وإني لأعرفه الآن [5]. وإن أخبار حنين جذع النخل (بكائه) لفراق الرسول صلى الله عليه وسلم متواترة معنويا.
هذا وقد يكشف الله طرفا من هذه العبودية لغير الأنبياء، فقد تتجلى بإسفار ووضوح لعباده الصالحين، ومن ذلك ما يروى أنه: لما بعث أبو بكر الصديق رضي الله عنه العلاء بن الحضرمي في حرب المرتدين إلى البحرين فسلكوا مفازة، وعطشوا عطشا شديدا، حتى خافوا الهلاك، فنزل وصلى ركعتين، ثم قال: يا حليم، يا عليم، يا علي، يا عظيم، اسقنا! فجاءت سحابة كأنها جناح طائر، فقعقعت عليهم وأمطرت، حتى ملأوا الآنية وسقوا الركاب، ثم انطلقنا حتى أتينا دارين، والبحر بيننا وبينهم، وفي رواية أتينا على خليج من البحر ما خيض فيه قبل ذلك اليوم، ولا خيض بعد، فلم نجد سفنا، وكان المرتدون قد أحرقوا السفن، فصلى ركعتين، ثم قال: يا حليم، يا عليم، يا علي، يا عظيم، أجزنا، ثم أخذ بعنان فرسه ثم قال: جوزوا باسم الله، قال أبوهريرة: فمشينا على الماء، فوالله ما ابتل لنا قدم، ولا خف ولا حافر، وكان الجيش أربعة آلاف. وفي هذا يقول عفيف بن المنذر:
ألم تر أن الله ذلل بحره وأنزل بالكفار إحدى الجلائل
دعانا الذى شق البحار فجاءنا بأعظم من فلق البحار الأوائل [6]
ثانيا: وأما الإيمان بالملائكة فهو جزء من عقيدتنا، ويخبرنا القرآن أن الملائكة موكلون بحفظ البشر وحمايتهم، وهم مكلفون بإحصاء أعمالهم وتسجيلها.
(إن كل نفس لما عليها حافظ) (الطارق: 4)، (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) (ق: 18)، (سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) (الرعد: 10 -11).
فالملائكة حفظة للبشر، يحصون عليهم أعمالهم، ويقدمون كتب أعمالهم إلى رب العالمين، ومنهم موكل بقبض أرواح البشر، وهم كذلك يستغفرون للذين آمنوا، ويحضرون مجالس الرحمة والذكر والتلاوة كما في الأحاديث الصحيحة، وهنالك ملكان حافظان يلازمان الإنسان حيث حل وأينما سار، لا يفارقانه أبدا إلا في بعض المواطن كالخلاء مثلا.
ثالثا: وأما الإيمان بالكتب السماوية فهو جزء من العقيدة، الإيمان بصحف إبراهيم، والتوراة المنزلة على سيدنا موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود، والقرآن الكريم على سيدنا محمد عليهم الصلاة والسلام أجمعين، هذا مع الانتباه الشديد إلى مسألتين:
1) الأولى: نحن نؤمن أن هذه الكتب بأصلها من عند الله إلا أن يد البشر امتد إليها تعبث وتحرف وتؤول وتغير، كما أخبرنا القرآن الكريم عن أهل الكتاب.
(فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون) (البقرة: 79)، (وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) (آل عمران: 78).
فهذا القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه يخبرنا أن البشر قد عبثوا بالكتب الربانية ولم يبق على وجه هذه البسيطة كتاب بكلماته وحروفه كما أنزل من عند الله إلا القرآن؛ (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (الحجر: 9).
2) وأما المسألة الثانية: فهي أن القرآن هو المنهاج الرباني الأخير للبشر، وهو آخر أمر ي سأل الله عنه البشر يوم القيامة، فنزل القرآن ناسخا لما قبله، مهيمنا على ما قبله من الكتب؛ (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه) (المائدة: 48)، (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا) (الفتح: 28).
ولا يقبل دينا إلا هذا الدين، ولن يحاسب يوم القيامة أحدا بعد نزول القرآن إلا عما ورد فيه من أوامر ونواه، (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) (آل عمران: 85).
رابعا: وأما الإيمان بالرسل: فالعقيدة الإسلامية تعتبر أن الإيمان بكل رسول مرسل هو جزء منها، بحيث يعتبر من يجحد رسالة أي رسول خارجا من إطار هذا الدين ولا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا ، (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) (البقرة: 285).
فمن كفر بأي رسول فقد كفر بأصل الرسالات وكفر بالقرآن، لأنه صرح بأسماء الرسل في النصوص القطعية الدلالة والثبوت.
خامسا: وأما الإيمان باليوم الآخر؛ فهو كذلك من القواعد المكينة في هذا الدين، ويكون حجر الأساس في كل دين نزل من عند رب العالمين؛ (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا) (البقرة: 62).
فالإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح هذه القاعدة بأركانها الثلاثة هي عماد كل دين.
وهذا الدين الذي بعث به محد صلى الله عليه وسلم يعتبر أن الحياة جسر إلى الآخرة، وأن الإنسان يمر بأطوار ومراحل، فمن رحم الأم إلى هذه الأرض إلى القبر، فالبعث فالحشر فالميزان فالصراط، ثم إلى جحيم أو إلى نعيم مستقر في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
والحق أن الإيمان بالآخرة هو صمام الأمان في هذه الأرض، وهو الضابط الوثيق الذي يحرس الأخلاق، والحارس الأمين الذي يضمن تنفيذ الشريعة في هذه الدنيا، فهو الذي يمنع لحظة العين أن تمتد إلى محرم، ويمنع النفس أن تهجس بهواجس الشر، ويردع الفم أن يهمس ولو بكلمة واحدة لا يرضاها ربه، لأنها كلها مسجلة معروضة محصية عليه أنفاسه وكلماته وحركاته، (ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا) (الإسراء 13 - 14).
سادسا: وأما القدر؛ فهو المحرك الأصيل للنفس البشرية، وهو الدافع الحقيقي للعمل في ميدان الحياة، وأول ما يطالعنا من نصوص القدر الرزق والأجل، فقد ذكرت في أكثر من موضع في الكتاب العزير مع إقرار أنها ثابتة محددة، ولا يغادر المرء هذه الأرض قبل أن نسال كل رزقه ويستنفد جميع أجله، فلن يموت إلا بقدر، ولن يستطيع أحد أن ينقص من رزقه قرشا واحدا مهما علا جاهه، وعظم سلطانه، (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير) (الأنعام: 17).
واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف [7].
والأجل المحدود والرزق المحدود مع العلم القطعي أن الله عزوجل بيده ملكوت كل شيء، وإليه يرجع الأمر كله، وله من في السموات ومن في الأرض، وأنه إليه ترجع الأمور.
هذه الأمور كلها كانت تدفع بأحدهم في أتون المعركة تاركا وراءه أهله دون معيل ولا كفيل إلا الله. وحسبك كلمة أبي بكر يوم تبوك إذ جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بجميع ماله، فقال له ص: ماذا تركت لأهلك؟ فقال: تركت لهم الله ورسوله.
ولذا فإنا نرى أن آيات العقيدة جاءت منبثة في معرض آيات القتال والجهاد، خاصة الآيات التي تقرر أن الحياة والموت بيد الله؛ (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا) (آل عمران: 145).
إن استقرار هذه العقيدة في أعماق النفس يجعلها عزيزة فلا تذل، تقف أمام كل قوى الأرض، لا ترهب سلطانا ولا تستخذي أمام صولة الملك وإغراء المال، هذه العقيدة ترفع صاحبها من أوحال الأرض ومستنقع الطين، فيقف في المرتقى السامي ينظر إلى الأرض من علو مع التواضع، وبالعزة مع المحبة والتضامن، دون استطالة ولا بغي على الناس، يود لو يرفعهم إلى هذا المستوى الذي رفعه الله إليه.
بهذه العقيدة أضحى الرعيل الأول من الصحب الكرام يعيشون بحسهم وأرواحهم في الآخرة، مع أن أجسادهم تدب على هذه الأرض، هم يتحركون فوق هذه المعمورة، مع أن أنظارهم مشدودة بقوة إلى الجنة، إلى الحساب.. وحسبي في هذا الشأن أن أورد مثلا واحدا، ولكنه يدل كيف كا ذلك الرهط الكريم يفكر ويعيش ويتحرك.
روى الطبراني بإسناده عن الحارث بن مالك الأنصارى أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: كيف أصبحت يا حارث؟ فقال: أصبحت مؤمنا حقا، قال: أنظر ما تقول، فإن لكل شيء حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ فقال: عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها، فقال: يا حارث عرفت فالزم - ثلاثا - [8]. ولقد ذكر هذا الصحابي الذي استحق شهادة رسول صلى الله عليه وسلم له بالمعرفة من حال نفسه ما يصور مشاعره، ويشي بما وراء هذه المشاعر من عمل وحركة، فالذي كأنه ينظر إلى عرش ربه بارزا، وينظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يتضاغون فيها، لا ينتهي إلى مجرد النظر إنما هو يعيش ويعمل ويتحرك في ظل هذه المشاعر القوية المسيطرة التي تصبغ كل حركة وتؤثر فيها، وذلك إلى جانب ما أسهر ليله وأظمأ نهاره، وكأنما هو ناظر إلى عرش ربه بارزا.
هذا مثل من كثير يبين كيف تترجمت العقيدة في نفوس الصحابة، وتجسدت في أناس من لحم ودم، يدبون على الأرض فيتحرك بحركتهم القرآن.
والآن دعنا نصغ إلى أحد أعيان القرن الثالث الهجري لنرى كيف يحيا بهذه العقيدة، دعنا نستمع إلى الإمام أحمد [9] وقد دخل عليه رجل فقال: عظني يا إمام، فقال له: إن كان الله قد تكفل بالرزق فاهتمامك لماذا؟ وإن كانت النار حقا فالمعصية لماذا؟ وإن كانت الدنيا فانية فالطمأنية لماذا؟ وإن كان الحساب حقا فالجمع لماذا؟ وإن كان كل شيء بقضاء الله وقدره فالخوف لماذا؟ و إن كان سؤال منكر ونكير حقا فالأنس لماذا؟ فخرج الرجل من عند الإمام وعاهد نفسه أن يرضى بقضاء الله وقدره.
--------------------------------------------------------------------------------
[2] صحيح مسلم (ص13) ط/صبيح
[3] أنظر شرح الأربعين النووية (ص91) ط/قطر
[4] القاموس المحيط، باب الدول. فصل العين (ج1ص513)
[5] مختصر صحيح مسلم للمنذري تحقيق الألباني 2/361
[6] أنظر أسباب سعادة المسلمين وشقائهم في ضوء الكتاب والسنة للكاندهلوي (ص06)
[7] حديث حسن صحيح رواه الترمذي عن عبد الله بن عباس مرفوعا . أنظر شرح متن الأربعين النووية، ط/ قطر، صفحة (37)
[8] في ظلال القرآن (ج9ص142)
[9] أنظر إملاءات في العقيدة للدكتور محمد أمين المصري (ص71) دمشق
العقيدة وأثرها في بناء الجيل
الفصل الثاني؛ شقاء البشرية اليوم بسب تحريف العقيدة
[الكاتب: عبد الله عزام]
الصراع بين العقيدة المحرفة والحقائق العلمية:
هنالك نقاط يجب أن لا تغيب عن بالنا كلما تحدثنا عن هذا الدين أو تكلمنا عن هذه العقيدة وهي:
1) ربانية هذه العقيدة، وهي المنهاج الأخير للحياة البشرية إلى يوم الدين.
2) ان هذه العقيدة التي يقام عليها صرح الشريعة هي فقط التي تكفل سعادة الإنسان في الدين.
3) وهي - وحدها - التي تجمع بين الروح والجسد في نظام الإنسان، والأرض والسماء في نظام الكون، وبين العبادة والعمل في نظام الدين، كما قال الأستاذ سيد قطب في العدالة الإجتماعية.
4) أن الاعمال كلها والتصرفات جميعها مبنية على العقيدة وهي انعكاسات لها.
5) كل عمل لا يرتبط بالعقيدة فلا وزن له؛ (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء) (إبراهيم: 18).
هذه الأمور الخمسة لا بد أن تكون المنارة السامقة لكل من أراد النجاة من الشقاء، ولمن أراد الطمأنينة والسلامة والسعادة.
ومن أجل أهمية العقيدة: فلقد أفرد لها رب العزة مساحة واسعة من كتابه، وأعطاها فترة طويلة حتى تستقر في الأعماق وتعيش مع النفوس، فالفترة المكية كلها تقريبا لا تكاد تخرج بنصوصها عن هذه القضية الكبرى، ولا تناقش إلا هذا الموضوع، وذلك لأن بناء النفوس بالعقيدة عملية بطيئة شاقة، قد يحتاج هذا العمل مدة توازي نمو الجسم نفسه، (وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث) (الإسراء: 106).
فالفرق مقصود والمكث مقصود، وكذلك فإن استقرار العقيدة في الأفئدة يتوقف عليه تنفيذ جميع التشريعات، ومن هنا تأخر نزول التشريع إلى المدينة حتى تستقر العقيدة في نفوس الصحب الكرام الذين جعلهم الله ستارا لقدره، ونصر هذا الدين على أيديهم.
يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه: (ماذا خسر العالم بانحاط المسلمين) [10]. تحت عنوان: (انحلت العقدة الكبرى) - وأنتهزها فرصة لأنوه بقيمة هذا الكتاب فلو قرأه كل واحد من المسلمين، وحبذا لو احتوته كل مكتبة - يقول: (انحلت العقدة الكبرى، عقدة الشرك والكفر، فانحلت العقد كلها، وجاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم جهاده الأول، فلم يحتج إلى جهاد مستأنف لكل أمر أو نهي، وانتصر الإسلام على الجاهلية في المعركة الأولى، فكان النصر حليفه في كل معركة.. نزل تحريم الخمر والكؤوس المتدفقة على راحاتهم، فحال أمر الله بينها وبين الشفاه المتلمظة والأكباد المتقدة، وكسرت دنان الخمر فسالت في سكك المدينة، "كلمة واحدة اجتثت عادة متأصلة في القوم ورثوها كابرا عن كابر (فهل أنتم منتهون؟) قالوا: انتهينا، انتهينا، بينما حاولت أمريكا" [11]. أن تحرم الخمر، واستعملت جميع الوسائل المدنية الحاضرة كالمجلات والجرائد والمحاضرات والصور والسينما لبيان مضارها، وأنفقت ما يزيد على (60) ستين مليون دولارا ضدها، وطبعت حوالى عشرة بلايين صفحة، وتحملت لتنفيذ القانون حوالى (250) مليون جنيها، وأعدمت ثلاثمائة نفس، وسجنت ما يزيد على نصف مليون، وصادرت من الممتلكات بحوالى أربعمائة مليون وأربعة بلايين جنيه، ومع هذا لم يزد الشعب الأمريكي إلا معاقرة للخمرة، مما اضطر الحكومة إلى إباحته سنة (1033م).
والسبب بسيط: إن التنفيذ للأوامر يكون ناتجا عن الإعتقاد.
وكذلك فإن العقيدة تمثل الجذور لشجرة هذا الدين، وما لم تكن الجذور ضاربة في أعماق الأرض، فإنها لن تحمل فروع هذه الشجرة الضخمة الباسقة، فالعمل الصالح لا بد له من إيمان متمكن في جوانب النفس وأغوارها وأعماق الفؤاد ومسارب الضمير.
وكذلك فالعقيدة تمثيل الأساس للبناء، والعمارة الضخمة لا بد لها من أساس مكين وقاعدة صلبة حتى يستقر فوقها البناء.
وهنا يبرز عامل آخر انبثق عن هذه الحقيقة، وهى آنه لا بد من بناء الأساس قبل الشروع برفع البناء وإلا فسينهار البناء كله، لا بد من البداية مع أي نفس ندعوها إلى هذا الدين أو نريد تربيتها على أساس الإسلام من الإيمان أولا وقبل كل شيء، خاصة في هذا العصر الذي بهت فيه مفهوم العقيدة في نفوس أبناء هذا الجيل المنتسب إلى الإسلام، لا بد من انتهاج نفس الطريق الذي انتهجه رسول الله صلى الله عليه وسلم من تثبيت العقيدة في النفس ثم مطالبتها بعدها بالفروع، لا بد أن نعرف الناس بربهم وعظمته وهيمنته على الكون، فهو مالك الملك، وهو الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو القاهر فوق عباده، وهو الذى إليه يرجع الأمر كله، وهو الخالق الرازق.. لا بد من هذه البداية، أما أن نبدأ نطالبهم بتطبيق فروع الشريعة وهم لم يعرفوا صاحب الخلق والأمر، فهذا عبث ومحاولة لاستنبات البذور في الهواء.
ومن أجل أهمية العقيدة وحساسية موضوعها وجوهريتها: فقد كانت معظم نصوص العقيدة في القرآن بكلمة (قل) التلقينية، (قل هو الله أحد) (قل يا أيها الكافرون) (قولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا).
وكذلك فإن علماء الأصول اشترطوا لبناء العقيدة نصوصا قطعية الثبوت وقطعية الدلالة [12].
والآن لا بد أن أشير إلى نقطة هامة وهي: (التفريق بين التصور الإعتقادي والفلسفة):
إن التصور الإعتقادي تصور يستقر في القلب، ويرتضيه العقل، ويتفاعل مع المشاعر، وينعكس على التصرفات في واقع الحياة، والعقيدة - غالبا - هي من أكبر العوامل التى لها تأثير في سير التاريخ وتغيير واقع الناس وحياتهم، وليس غريبا عليك التغيير الكبير الذى حدث في الحياة منذ نزول العقيدة الإسلامية، وأما الفلسفة [13]؛ فإنها ترف عقلي لا يتجاوز الأخيلة وغالبا يعيش في أذهان الفلاسفة، ولم تدفع الفلسفة بالبشرية خطوة واحدة إلى الأمام، فمعظمها نظريات تعيش في عقول الفلاسفة الذين يفكرون من أبراجهم العاجية، دون أن يكون لها حرارة التفاعل مع القلوب، أو الحياة مع المشاعر والنفوس أو انعكاس السلوك في الحياة.
وهنا أريد أن أنبه إلى قضية مهمة، أصبحت وكأنها حقيقة مسلمة في أذهان الذين يدرسون ما يسمى بالفلسفة الإسلامية.
إنه ليس من السهل أن تنقل العقيدة الربانية بوسائل بشرية وتفكيرات إنسانية، كما أنه لا يمكنك أن تنقل اللبن الطاهر بكأس أثرها خمرة، ولذا فليس من السهل أن تنقل التصور الإسلامي الرباني الصافي بقوالب فلسفية، لأنها تطفىء نوره وإشعاعه وتقتله، وتصبح العقيدة جافة بعد نداوتها، سلبية بعد إيجابيتها، معقدة بعد سهولتها؛ (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) (القمر: 22).
ولقد حاول بعض الجهابذة من العلماء الأفاضل نقل العقيدة عن طريق علم الكلام والمنطق - بعد أن افتتنوا بها - وذلك كحجة الإسلام أبي حامد الغزالي المتوفي سنة (505هـ) وإمام الحرمين الجويني، وفخر الدين الرازى سنة (606هـ).
إلا أن التجربة كانت لديهم مرة، وكانت حصيلتها أن كادت تنزلق نفوسهم، وتضطرب تصوراتهم، مما اضطر الثلاثة أن يرجعوا عن الكلام أخيرا.
فقد كتب الغزالي رسالته التي أسماها (إلجام العوام عن علم الكلام) وقال: (فلم يكن الكلام في حقي كافيا ولا لدائي الذي كنت أشكوه شافيا)، وقال: (الحق أن علم الكلام حرام إلا لشخصين) [14]. وأما الجويني فكان يبعض أصابع الندم في أواخر سنين حياته لما فرط فيه في البحث عن الكلام، وكان يقول [15]: (عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطيف بره فأموت على دين العجائز ويختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص، فالويل لابن الجويني).
ويقول الرازي [16]:
نهاية إقدام العقول عقال وغاية سعي العالمين ضلال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
ويقول الشهرستاني: سنة (548 هـ) (صاحب كتاب الملل والنحل):
لعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعا كف حائر على ذقن أو قارعا سن نادم [17]
نعم لقد تراجع الأعلام الثلاثة عن علم الكلام، ولكن متى؟ بعد أن أغرقوا العقيدة بالمنطق والكلام اليوناني المشوب بالأساطير الوثنية، (وكيف يمكن لعقيدة التوحيد الخالصة التي نزلت من رب العالمين أن تنقل بالتفكير الإغريقي الملوث بالوثنية؟ إنه محال).
وكذلك فإن هؤلاء الأئمة كانوا عباقرة في علم الأصول، فحاولوا أن ينقلوا الأصول بواسطة علم الكلام والمنطق، فعقدوا الأصول، وأصبح علم الأصول جافا بعد أن كان سهلا مبسطا، وإن كنت في ريب مما أقول فاقرا رسالة الإمام الشافعي وانظر يسرها وبساطتها، وقارن - إن شئت - بينها وبين كتاب مثل جمع الجوامع للسبكي، والتحرير للكمال بن الهمام، وانظر الفرق الشاسع والبون الواسع.
وأعجب أن يبقى المنطق وعلم الكلام يدرسان إلى يومنا هذا، بحجة أن هذين ضروريان للعقيدة والأصول.
إن العقيدة الربانية التي تكفل القرآن ببيانها وإظهارها بيسر وبساطة لا يجوز أن تنقل بوسائل من تفكير بشرى، يقول الشافعي: (لأن يبتلى العبد بكل شيء نهي عنه - غير الكفر - أيسر من أن يبتلى بعلم الكلام) [18].
وقال الإمام أحمد: (لا يفلح صاحب كلام أبدا، علماء الكلام زنادقة) [19].
قال الإمام مالك: (لا تجوز شهادة أهل البدع والأهواء)، قال بعض أصحابه: أراد أهل الكلام [20].
ضرورة صفاء العقيدة مهمة ونقائها من آراء البشر:
وهذه نقطة مهمة جدا بل أساسية في العقيدة التي نزلت من عند الله، إذا اختلطت بآراء البشر فإنها لا تبقى ربانية، ولا تبقى هى التى تقود إلى السعادة في الدارين، ولعلك بحاجة إلى زيادة تفسير (فتعال معي يا أخي نسأل التاريخ ونجول عصوره).
لقد حدثنا القرآن (الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) أن الرسل أجمعين جاءوا بعقيدة التوحيد الخالصة، (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) (الأنبياء: 25).
هذه شهادة القرآن الصادقة.
والآن لنفتح معا صفحات أخرى لنرى كيف بدل اليهود والنصارى هذه العقيدة.
(وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون) (التوبة: 30).
ولو فتحت الكتاب المقدس لوجدته حافلا بهذه اللوثات الوثنية، ففي الإصحاح الثالث: (فنادى الرب الإله آدم، وقال له أين أنت؟)، سبحانك يا رب وتعاليت عما يقولون علوا كبيرا.
إنه لا يعرف أين آدم، فمن هذا الإله؟! أوليس يعلم السر وأخفى كما حدثنا القرآن؟
(ألم تر أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض، ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم) (المجادلة: 7).
ألم يسمعوا قوله تعالى: (وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) (الملك: 13 - 14).
ماذا حصل من جراء التحريف والتغيير في الكتب السماوية وفي العقيدة الربانية ؟
لقد حصل الشقاء الذي نعانيه وتعانيه البشرية كلها اليوم، لقد أدخل رجال الدين اليهودي والنصراني كلاما من عند أنفسهم، وهذا ما صرح به القرآن؛ (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذه من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون) (البقرة: 79).
وكان مما أدخلوه عقيدة التثليث، وكذلك معلومات بشرية تعتمد على التجارب البشرية في الجغرافية والفلك وغيرها، وكتبوا كتبا في الجغرافية سموها (الجغرافيه النصرانية) [21]. وكفروا كل من يخالفها، وأخذت الكنيسة تبحث عن علماء الفلك والجغرافيا الذين أعلنوا اكتشافاتهم العلمية، فأنشأت الكنيسة محاكم التفتيش، فاختبأ العلماء - الذين هم ملحدون في نظر الكنيسة - في الغابات والمغاور، وعاقبت من النصارى الذين يحملون هذه الآراء الجغرافية والفلكية المخالفة لنظر الكنيسة حوالي ثلاثمائة ألف، أحرق منهم اثنان وثلاثون ألفا أحياء، كان منهم العالم الطبيعي (برونو) سنة (1600)، وكذلك العالم الطبيعي الشهير جاليلو سنة (1642)، لأنه يعتقد بدوران الأرض، وعذبت كوبر نيكوس.
حتى قال أحد العلماء النصارى: (لا يمكن لرجل أن يكون مسيحيا ويموت حتف أنفه) [22]، أي يموت موتا طبيعيا، بل لا بد أن يقتل أو يحرق.
ماذا كانت النتيجة؟ العداء بين العلم والدين.
بدأ العلماء يفكرون كيف يخلصون من سلطان الكنيسة وسطوتها واستطالتها؟
(لا بد من إسقاط إله الكنيسة حتى تسقط الكنيسة، لأن الكنيسة تستطيل باسم الله). وقد سبق الإنكار محاولة للاصلاح بمحاربة بعض تعاليم الكنيسة، كالتي قام بها لوثر المتوفى سنة (1546)، كلفن المتوفى سنة (1564)، وأخذوا يحاربون تعاليم البابا التي كانوا يسمونها تعاليم الشيطان، مثل عقيدة التثليث، وكذلك بيع صكوك الغفران، والاعتراف بالخطيئة، وقامت حرب ضروس بين هذين وبين البابا.
وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر بدأ العصر الذي سموه (عصر التنوير أو عصر سيادة العقل) وظهر فيه ن - يشته: الذي أعلن سيطرة العقل على الدين سنة (1714م)، وظهر (هيجل): الذي حاول أن يؤيد الدين بتخبط، إذ أن الله عند هيجل عقل - سبحانه وتعالى عما يشركون -
وزاد الصراع بين الدين والعلم ببزوغ فجر القرن التاسع عشر الذي سمي بعصر (الوضعية) أو عصر سيادة الحس، الذي يعتبر الواقع أو الطبيعة هو مصدر المعرفة، وسادة الطبيعة على الدين والعقل، وأن عقل الانسان هو وليد الطبيعة، وطريق الانسان يبتدىء بالفردية وينتهي بالجماعة التي يجب أن يذوب فيها الفرد، والطبيعة هي التي تنفش الحقيقة في العقل.
وأشهر أبطال هذا العصر (أوجست كونت) [23]. ولكن لا ندرى كيف تنقش الحقيقة في العقل، وهل الحقيقة التي تنقشها الطبيعة في عقل البقرة والقرد كالتي تنقشها في عقل كونت وغيره ؟
وقد ظهر في هذا العصر (دارون) الذي وضع كتابه أصل الأنواع سنة (1859م)، وكتابه الآخر أصل الانسان سنة (1817م)، وزاد النزاع واحتدم الخصام بين دارون وبين الكنيسة التي كفرته، ووقف الناس بادىء ذي بدء مع الكنيسة، ولكن الموقف أخذ يتحول تدريجيا لصالح دارون، وقد وجد الناس أن هذه فرصة سانحة للتخلص من الغول البشع الذي يضطهد الناس باسم الدين [24].
وأنكر دارون تدخل الله في عملية النشوء والإتقاء، وقال: (إن تفسير النشوء والإرتقاء بتدخل الله هو بمثابة إدخال عنصر خارق للطبيعة في وضع ميكانيكي بحت).
ثم جاء (ماركس) ليعلن الإلحاد من خلال أبحاثه في الإقتصاد، فهو يرى أن الدين والقيم الروحية والأخلاقية والسلوك هو عبارة عن انعكاس عن المادة، وتاريخ العالم هو تاريخ البحث عن الطعام، وحدد في (المنيفستو) البيان الشيوعي المطالب الرئيسية للإنسان: المأكل والمسكن والإشباع الجنسي) [25]، والدين عنده هو أفيون الشعوب.
ثم جاء (فرويد) ليعلن صرخته في عالم الجنس.. وقال بأن الغرائز هي التي تحكم الإنسان، وأن الروح لا وجود لها على الإطلاق، والحياة كلها جنس، حتى الدين والأخلاق فإنها انبثاق جنسي، فالطفل يحب أمه جنسيا، ثم يجد الأب حائلا دونها فينشأ عنده (عقدة أو ديب)، والطفلة تعشق أباها جنسيا، ولكن أمها تحول بينها وبين أبيها، فينشأ لديها (عقدة ألكترا)!!
ومن المعلوم أن الصهيونية العالمية كانت وراء هؤلاء.
تقول بروتوكولات حكماء صهيون [26]: (لقد رتبنا نجاح دارون وماركس ونيتشه بالترويج لآرائهم، وإن الأثر الهدام للأخلاق الذي تنشئه علومهم في الفكر غير اليهودي واضح لنا بكل تأكيد).
وبعد هذه المعارك المتواصلة بين الكنيسة وبين هؤلاء انزوى رجال الكنيسة بين جدرانها الأربعة، ورجعت كسيفة حزينة، وسقط إله الكنيسة في نفوس الناس، هذا الذي كانت تخضع الناس باسمه، والسبب في هذا بسيط جدا: (إن دين الله السماوي وعقيدته الصافية لم تدخل المعركة، إنما دخل المعركة آراء البشر الفجة المرتجلة، وأخذت تقاوم حقائق علمية وإحصائيات دقيقة تدعمها التجارب والبراهين).
يقول الأستاذ محمد البهي [27]: (ومن هذا يتضح أن صراع العقل مع الدين هو صراع الفكر الإنساني مع مسيحية الكنيسة، وإن دوافع هذا الصراع هي الظروف التي أقامتها الكنيسة في الحياة الأوروبية).
والآن ما هو موقف الكنيسة؟ لقد عادت تجري وراء الناس وتلهث على أثرهم، ترجوهم أن يحضوا ساعة أو أقل في الأسبوع مع الإعلانات والمغريات، ودونك إحدى الإعلانات [28]. المعلقة بباب إحدى الكليات لإقامة حفلة كنسية. يوم الأحد أول أكتوبر سنة (1950م) في الساعة السادسة مساء: عشاء خفيف، ألعاب سحرية، الغاز، مسابقات، تسلية، رقص! أسمعت؟ عادت ترجو الناس أن يجتمعوا داخل الكنيسة ولو على الرقص والتسلية!!
ولكن رغم أن الكنيسة هزمت إلا أن العداء بقي قائما بين العلم والدين، وبقي هذا العداء الذي أتعب البشرية وأشقاها، ولا زلنا نعاني آثاره، وندفع ضريبته من راحتنا وأبنائنا وأجيالنا، لا زلنا ندفع الثمن بما نعيشه من حيرة واضطرب ونكد وشقاء.
--------------------------------------------------------------------------------
[10] ماذا خسر العالم بانحاط المسلمين (ص88)
[11] أنظر في ظلال القرآن، الطبعة الرابعة (ج5ص27) أخذا من كتاب تنقيحات للأستاذ أبو الأعلى مودودي
[12] قال ابن عبد البر من المالكية عن خبر الآحاد (والذي عليه أكثر أهل الحذق منهم أنه يوجب العمل دون العلم (أي اليقين والقطع) وهو قول الشافعي وجمهور أهل الفقه والنظر ولا يوجب العلم عندهم إلا ما شهد الله به وقطع، وقال قوم كثير من أهل الأثر وبعض أهل النظر: أنه يوجب العلم والعمل جميعا . منهم أبو الحسين الكرابيسي. ثم قال ابن عبد البر: أنه يوجب العمل دون العلم) أنظر المسودة في أصول الفقه لآل تيمية صفحة (542)
[13] قال السيوطي: أنه يحرم إلاشتغال بالفلسفة كالمنطق لإجماع السلف وأكثر المفسرين المعتبرين من الخلف، وممن صرح بذلك - التحريم - ابن الصلاح والنووي وخلق لا يحصون، وقد جمعت في تحريمه كتابا، وقد رجع الغزالي إلى تحريمه. أنظر شرح الفقه الأكبر (4)
[14] فيصل التفرقه بين الإسلام والزندقة للغزالي (ص90) عيسى الحلبي
[15] تلبيس إبليس لابن الجوزي (93)
[16] شرح الفقه الأكبر لملا علي القاري ص (7)
[17] أنظر شرح الفقه الأكبر ص (7)
[18] أنظر اعلام الموقعين لابن القيم (4/842) وتلبس إبليس (19)
[19] تلبس إبليس (19).
[20] أنظر شرح الفقه الأكبر (6)
[21] أنظر كتاب ماذا خسر العالم بإنحاط المسلمين للندوي (571)
[22] أنظر هذا كله في (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) للندوي ص 571، وارجع إلى (التطور والثبات في حياة البشرية) لمحمد قطب ص (61)
[23] الفكر الإسلامى الحديث وصلته بالإستعمار الغربي (972) وكذلك ص (813)
[24] التطور والثبات في حياة البشرية ص(61)
[25] الفكر الإسلامي الحديث لمحمد البهي (623) فما بعدها
[26] البروتوكول الثاني. أنظر بروتوكولات حكماء صهيون (الخطر اليهودي) ترجمة التونسي، صفحة (231)
[27] أنظر الفكر الإسلامي الحديث لمحمد البهي فصل الدين مخدر صفحة (592) فما بعدها
[28] الإسلام ومشكلات الحضارة لسيد قطب صفحة (18)
الشهيـــ الحي ــــــــد
06-16-2005, 04:07 PM
بارك الله فيك اخي
ورحمك الله يا شيخنا عبدالله ورحمكم الله يا شهداء الاسلام
مشكور اخي
ولي مرور اخر
وتحياتي
الشهيد الحي
أمة الله
12-03-2005, 06:16 AM
من أعظم ما قرأت بعد كتاب الله عز وجل وصية هذا العملاق
رحمه الله رحمة واسعة وأرفقه في الجنة مع من يحب
كانت زوجته تدعوا له بالشهادة من كثرة ما رأت شوقه وصدقه في طلبها
وإليكم الوصية
وصية العبد الفقير إلى الله تعالى عبد الله بن يوسف عزام:
من بيت القائد البطل الشيخ جلال الدين حقاني وفي عصر الإثنين الثاني عشر من شعبان (1406هـ) الموفق للعشرين من نيسان (إبريل / 1986) أكتب هذه الكلمات:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باللهلله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا ، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا .
لقد ملك حب الجهاد علي حياتي ونفسي ومشاعري وقلبي وأحاسيسي، إن سورة التوبة بآياتها المحكمة التي مثلت الشرعة النهائية للجهاد في هذا الدين وإلى يوم الدين، لتعتصر قلبي ألما وتمزق نفسي أسى وأنا أرى تقصيري وتقصير المسلمين أجمعين تجاه القتال في سبيل الله.
إن آية السيف التي نسخت قبلها نيفا وعشرين آية أو أربعين آية بعد المائة من آيات الجهاد لهي الرد الحاسم والجواب الجازم لكل من أراد أن يتلاعب بآيات القتال في سبيل الله أو يتجرأ على محكمها بتأويل أو صرفها عن ظاهرها القاطع الدلالة والقطعي الثبوت.
وآية السيف { وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين } ، أو آية: { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم }.
إن التبرير للنفس بالقعود عن النفير في سبيل الله، وإن تعليل النفس بعلل تخدر مشاعرها فترضى بالقعود عن القتال في سبيل الله لهو ولعب، بل اتخاذ دين الله لهوا ، ولعبا ونحن أمرنا بالإعراض عن هؤلاء بنص القرآن { وذر الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا... }.
إن التعلل بالآمال دون الإعداد لهو شأن النفوس الصغيرة التي لا تطمح آن تصل إلى القمم ولا أن ترقى إلى الذرى:
وإذا كانت النفوس كبارا تعبت من مرادها الأجسام
إن الجوار في المسجد الحرام وعمارته لا يمكن أن يقاس بالجهاد في سبيل الله، وفي صحيح مسلم أن آية: { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الأخر وجاهد في سبيل الله لا يستون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون * يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم، خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم }.
هذه الآيات نزلت عندما اختلف الصحابة في أفضل الأعمال بعد الإيمان فقال أحدهم عمارة المسجد الحرام، وقال آخر: بل سقاية الحجيج . وقال الثالث: بل الجهاد في سبيل الله. فهذه الآيات نص في المسألة أن الجهاد في سبيل الله أعظم من عمارة المسجد الحرام، وخاصة أن صورة سبب النزول هي خلاف الصحابة حول هذه المسألة. وصورة سبب النزول لا يجوز تخصيصها ولا تأويلها لأن معناها قاطع في النص.
ورحم الله عبد الله بن المبارك إذا يرسل إلى الفضيل بن عياض:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب
أرأيت قول الفقيه المحدث ابن المبارك للفضيل: أنه يرى أن جوار الحرم والعبادة فيه في الوقت الذي تنتهك فيه الحرمات وتسفك الدماء وتستباح الأعراض ويجتث فيه دين الله من الأرض، أقول يراه لعبا بدين الله.
نعم... إن ترك المسلمين في الأرض يذبحون ونحن نحوقل ونسترجع ونفرك أيدينا من بعيد دون أن يدفعنا هذا إلى خطوة واحدة تقدمنا نحو قضية هؤلاء لهو ولعب بدين الله ودغدع ة لعواطف باردة كاذبة طالما خدعت النفس التي بين جنباتها.
كيف القرار وكيف يهدأ مسلم والمسلمات مع العدو المعتدي
إني أرى كما كتبت في كتاب (الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان) ، كما يرى شيخ الإسلام ابن تيمية من قبلي : ( والعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا ليس أوجب بعد الإيمان من دفعه ).
إني لا أراى -والله أعلم- أي فرق اليوم بين تارك القتال في سبيل الله وبين تارك الصلاة والصيام والزكاة.
إني أرى أن أهل الأرض جميعا الآن أمام مسؤولية عظيمة أمام رب العالمين ثم بين يدي التاريخ.
إني أرى أنه لا يعفى عن مسؤولية ترك الجهاد شيء سواء كان ذلك دعوة أو تأليفا أو تربية أو غير ذلك.
إني أرى أن كل مسلم في الأرض اليوم منوط في عنقه تبعة ترك الجهاد - القتال في سبيل الله - وكل مسلم يحمل وزر ترك البندقية، وكل من لقى الله غير أولي الضرر دون أن تكون البندقية في يده فإنه يلقى الله آثما لأنه تارك القتال. والقتال الآن فرض عين على كل مسلم في الأرض - غير المعذورين - وتارك الفرض آثم لأن الفرض: ما يثاب فاعله ويحاسب أو يأثم تاركه.
إنني أرى -والله أعلم- أن الذين يعفون أمام الله بسبب تركهم الجهاد هم الأعمى والأعرج والمريض والمستضعفون من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ، أي لا يستطيعون الإنتقال إلى أرض المعركة ولا يعرفون الطريق إليها. والناس كلهم آثمون الآن بسبب ترك القتال ، سواء كان القتال في فلسطين أو في أفغانستان أو أية بقعة من بقاع الأرض التي ديست من الكفار ودنست بأرجاسهم.
وإني أرى أن لا إذن لأحد اليوم في القتال والنفير في سبيل الله، لا إذن لوالد على ولده، ولا لزوج على زوجته، ولا لدائن على مدينه، ولا لشيخ على تلميذه ولا لأمير على مأموره. هذا إجماع علماء الأمة جميعا في عصور التاريخ كلها: أنه في مثل هذه الحالة يخرج الولد دون إذن والده، والزوجة دون إذن زوجها، ومن حاول أن يغالط في هذه القضية فقد تعدى وظلم، واتبع هواه بغير هدى من الله.
قضية حاسمة واضحة لا غبش فيها ولا لبس، فلا مجال لتمييعها ولا حيلة لأحد في التلاعب فيها وتأويلها. إن أمير المؤمنين لا يستأذن في الجهاد في حالات ثلاث:
1- إذا عطل الأمير الجهاد.
2- إذا فو ت الإستئذان المقصود.
3- إذا علمنا منعه مقدما .
إنني أرى أن المسلمين اليوم مسؤولون عن كل عرض ينتهك في أفغانستان وعن كل دم يسفك فيها. إنهم - والله أعلم - مشتركون في دماءهم بسبب تقصيرهم لأنهم يملكون أن يقدموا لهم السلاح الذي يحميهم، والطبيب الذي يعلجهم والمال الذي يشترون به الطعام، والحفارة التي يحفرون بها الخنادق.
وقد جاء في حاشية الدسوقي/الشرح الكبير (2/111-112): ( أن من كان يملك [1] فضل طعام ورأى جائعا وتركه حتى مات فإن كان صاحب الطعام متأولا يظنه لا يموت فإنه يدفع ديته من عاقلته - أقاربه - وإن كان عامدا فقد جاءت روايتان في المذهب: إحداهما أنه يدفع ديته من ماله الخاص، والرواية الثانية أنه يقتص منه لأنه قاتل ).
فأي حساب وأي عقاب ينتظر أصحاب الثروات والأموال التي تهدر على الشهوات وتراق عبثا على الأهواء والكماليات.
فيا أيها المسلمون :
حياتكم الجهاد، وعزكم الجهاد، ووجودكم مرتبط ارتباطا مصيريا بالجهاد.
يا أيها الدعاة :
لا قيمة لكم تحت الشمس إلا إذا امتشقتم أسلحتكم وأبدتم خضراء الطواغيت والكفار والظالمين.
إن الذين يظنون أن دين الله يمكن أن ينتصر بدون جهاد وقتال ودماء وأشلاء هؤلاء واهمون، لا يدركون طبيعة هذا الدين.
إن هيبة الدعاة وشوكة الدعوة وعزة المسلمين لن تكون بدون قتال ، " ولينزعن الله من قلوب أعدائكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن "، قالوا: وما الوهن يا رسول الله? قال : ( حب الدنيا وكراهية الموت ) ، وفي رواية: ( وكراهية القتال ) ، { فقاتل في سبيل الله لا تكل ف إلا نفسك وحر ض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا }.
إن الشرك سيعم ويسود بدون قتال { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله } ، والفتنة هي الشرك.
إن الجهاد هو الضمان الوحيد لصلاح الأرض: { ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض }.
إن الجهاد هو الضمان الوحيد لحفظ الشعائر وبيوت العبادة { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا }.
يا دعاة الإسلام :
إحرصوا على الموت توهب لكم الحياة ولا تغرنكم الأماني ولا يغرنكم باللهلله الغرور، وإياكم أن تخدعوا أنفسكم بكتب تقرأونها، وبنوافل تزاولونها، ولا يحملنكم الإنشغال بالأمور المريحة عن الأمور العظيمة { وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم... } ، ولا تطيعوا أحدا في الجهاد : لا إذن لقائد في النفير إلى الجهاد، إن الجهاد قوائم دعوتكم وحصن دينكم وترس شريعتكم.
يا علماء الإسلام :
تقدموا لقيادة هذا الجيل الراجح إلى ربه، ولا تنكلوا وتركنوا إلى الدنيا وإياكم وموائد الطواغيت، فإنها تظلم القلوب وتميت الأفئدة وتحجزكم عن الجيل وتحول بين قلوبهم وبينكم.
يا أيها المسلمون :
لقد طال رقادكم، واستنسر البغاث في أرضكم، وما أجمل أبيات الشاعر:
طال المنام على الهوا ن فأين زمجرة الأسود
واستنسرت عصب البغا ث ونحن في ذل العبيد
قيد العبيد من الخنو ع وليس من زرد الحديد
فمتى نثور على القيود متى نثور على القيود
يا معشر النساء :
إياكن والترف، لأن الترف عدو الجهاد والترف تلف للنفوس البشرية، واحذرن الكماليات واكتفين بالضروريات، وربين أبناءكن على الخشونة والرجولة وعلى البطولة والجهاد، لتكن بيوتكن عرينا للأسود [2]. وليس مزرعة للدجاج الذي يسمن ليذبحه الطغاة، اغرسن في أبنائكن حب الجهاد وميادين الفروسية وساحات الوغى، وعشن مشاكل المسلمين وحاولن أن تكن يوما في الأسبوع على الأقل في حياة تشبه حياة المهاجرين والمجاهدين، حيث الخبز الجاف ولا يتعدى الإدام، جرعات من الشاي.
يا أيها الأطفال :
تربوا على نغمات القذائف ودوي المدافع وأزيز الطائرات وهدير الدبابات، وإياكم وأنغام الناعمين وموسيقى المترفين وفراش المتخمين.
أما أنت أيتها الزوجة :
ففي النفس الكثير والكثير أريد أن أبثه إليك يا أم محمد، جزاك الله عني وعن المسلمين خير الجزاء. لقد صبرت معي طويلا على لأواء الطريق وتجرعت معي كؤوس الحياة حلوها ومرها. وكنت خير عون لي على آن أنطلق في هذه المسيرة المباركة وأن أعمل في ميدان الجهاد، لقد تركت على كاهلك البيت سنة (1969م) أيام أن كان لدينا طفلتان وولد صغير فعشت في غرفة واحدة من الطين لا مطبخ لها ولا منافع، وتركت على عاتقك البيت يوم أن ثقل الحمل وزادت العائلة، وكبر الأولاد وكثرت معارفنا وزاد ضيوفنا، فاحتملت لله ثم من أجلي القليل والكثير، فجزاك الله عني خير الجزاء ولولا الله ثم صبرك على غيابنا الطويل عن البيت ما استطعت أن أحتمل هذا العبء الثقيل وحدي.
لقد عرفتك زاهدة في الحياة، ليس للمادة أي وزن في حياتك، لم تشتكي أيام الشدة من قلة ذات اليد ولم تترفي ولم تبطري أيام أن فتح علينا قليل من الدنيا، لم تكن الدينا في قلبك بل كانت معظم الوقت في يدك، إن حياة الجهاد ألذ حياة ومكابدة الصبر على الشظف أجمل من التقلب بين أعطاف النعيم وجوانب الترف، الزمي الزهد يحبك الله، وازهدي بما في أيدي الناس يحبك الناس.
القرآن هو متعة العمر، وأنس الحياة، والقيام وصيام النافلة والإستغفار في الأسحار يجعل للقلب شفافية، وللعبادة حلاوة وصحبة الطيبات وعدم التوسع في الدنيا والبعد عن المظاهر وعن أهل الدنيا راحة القلوب، وأمل من الله أن يجمعنا في الفردوس كما جمعنا في الدنيا.
وأما أنتم يا أبنائي :
إنكم لم تحظوا من وقتي إلا بالقليل، ولم ينلكم من تربيتي إلا اليسير، نعم لقد شغلت عنكم ولكن ماذا أصنع ومصائب المسلمين تذهل المرضعة عن رضيعها، والأهوال التي ألمت بالأمة الإسلامية تشيب نواصي الأطفال، والله ما أطقت أن أعيش في قفص معكم كما تعيش الدجاجة مع فراخها، لم أستطع أن أحيا بارد النفس ونار المحنة تحرق قلوب المسلمين، لم أرض أن أبقى بينكم طيلة وقتي وأحوال المسلمين تمزق كل من له قلب أو بقية من لب، ليس من المروءة أن أعيش بينكم أتقلب بين أعطاف النعيم، توضع لي صحفة وترفع صفحة بين أطباق اللحوم وأنواع الحلويات، والله لقد كنت في حياتي أمقت الترف سواء كان ذلك في ثياب أو طعام أو مسكن، وحاولت أن أرفعكم ما استطعت إلى مقام الزاهدين وأبعدكم عن مستنقع المترفين، أوصيكم بعقيدة السلف - أهل السنة والجماعة - وإياكم والتنطع، أوصيكم بالقرآن تلاوة وحفظا ، وبحفظ اللسان، وبالقيام والصيام، وبالصحبة الطيبة، وبالعمل مع الحركة الإسلامة، ولكن اعلموا أنه ليس لأمير الحركة أي سلطة عليكم بحيث يمنعكم من الجهاد أو يزين لكم البقاء للدعوة بعيدا عن مصانع الرجولة وميادين الفروسية، لا تأخذوا إذن أحد للجهاد في سبيل الله، إرموا واركبوا ولأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا.
أوصيكم يا أبنائي بطاعة أمكم واحترام أخواتكم (أم الحسن وأم يحيى) وأوصيكم بالعلم النافع الشرعي، وأوصيكم بطاعة أخيكم الكبير محمد واحترامه وأوصيكم بالمحبة فيما بينكم، وبروا جدكم وجدتكم وأكرموهما كثيرا وبروا عمتيكم (أم فايز وأم محمد) فلهما بعد الله فضل كبير علي ، ص لوا أرحامنا وبروا أهلنا، وأوفوا بحق صحبتنا لمن صاحبنا.
وأما مكتب الخدمات [3] :
على الإخوة أن يحفظوا لأهل السابقة سابقتهم وكل مجاهد وسابقته في هذا المضمار، واحفظوا للإخوة القدماء قدرهم خاصة الإخوة [4] أسامة وأبا الحسن المدني ونور الدين وأبا الحسن المقدسي وأبا سياف وأبا برهان، وأما أبا مازن فلقد خبرته [5] فوجدته أطهر من ماء السماء، صواما قواما غيورا على الجهاد. ولقد ساقه الله هدية إلى الجهاد فخدم بصمت [6] وكان أحد أعمدة الجهاد. وتغاضوا عن زلاتهم، واحفظوا لهم مكانتهم، ولا تنسوا فضل الأخ أبي الحسن المدني ودوره في خدمة الجهاد، وتقبلوا نصائح أبي هاجر وليصل بكم فإن فيه رقة وخشوعا [7].
وادعوا [8] كثيرا لمن تكفل هذا المكتب بماله الخالص الأخ أبو عبد الله أسامة بن محمد بن لادن، أدعو الله أن يبارك له في أهله وماله ونرجو الله أن يكثر من أمثاله، ولله أشهد أني لم أجد له نظيرا في العالم الإسلامي، فنرجو الله أن يحفظ له دينه وماله [9] وأن يبارك في حياته.
ولا تنسوا أن أبا حذيفة قد كفل كثيرا من أعمال المكتب بماله الخاص [10] فادعو الله له كثيرا وكان عمود الخيمة للمكتب.
وأما الأحزاب الجهادية :
فاهتموا كثيرا بسياف وحكمتيار ورباني وخالص.. لأننا نأمل منهم [11] مسيرة الجهاد وأن يحفظوا مسيرته من الإنحراف ولا تنسوا القادة في الداخل خاصة جلال الدين وأحمد شاه مسعود وإنجنير بشير وصفي الله أفضلي ومولوي أرسلان [12] وفريد، ومحمد علم وشير علم/بغمان، وسيد محمد حنيف/لوجر.
وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
الثلاثاء : 13 / شعبان / 1406هـ
الموافق : 22/4/1986م
عبد الله بن يوسف عزام
--------------------------------------------------------------------------------
1) في الأصل (يمكن).
2) في الأصل (الأسود).
3) في الأصل (فوصي بأن
يكون مسووله بعدي أبوحذيفة الذي قدم عصارة شبابه للمكتب وخاصة ماله للمجاهدين - سقطت من الأصل كلمة "نائبه" - أبو سياف - فتحي - ويساعدوه أبو حمزة وأبو هاجر، إلا أن الشيخ رحمه الله شطب عليها بقلمه ،
4) في الاصل (أبو حذيفة) إلا أن الشيخ شطب عليها بقلمه،
5) في الأصل كلمة (والله) إلا أن الشيخ شطبها بقلمه.
6) في الأصل(رغم نعيق الناعقين -ولا يغرنكم فيهم) إلا أن الشيخ شطبها بقلمه ،
7) في الأصل (وكذلك الأخ أبو البراء) إلا أن الشيخ شطب بقلمه كلمة أبو البراء ،
8) في الأصل (وأدعو كثيرا لمن تكفل هذا المتكتب بماله الخاص) إلا أنها وقعت داخل دائرة -بقلم الشيخ- ولا ندري هل يعني شطبها أم إثباتها، فرجحنا إثباتها، أنظر الأصل. والحق أن الأخ أسامة تكفل المكتب في بداية عمل مكتب الخدمات حتى 1986م ثم اعتذر عن مساعدته بعدها.
9) في الأصل قوله (وأن يبارك ... إلى قوله عمود الخيمة للمكتب) وضع تحتها خط ولا ندري مقصده، هل إثباتها أم حذفها فرجحنا إثباتها -
10) في الأًصل "بماله الخاص" إلا أنها وضعت داخل دائرة -بقلم الشيخ- فرجحنا إثباتها،
11) في الأصل منهما أن يواصلوا.
12) في الأصل "يواصلا" .
13) في الأًصل (وحسنوا صلتكم بنصر الله منصور) وشطبت بخط الشيخ ،
أمة الله
12-03-2005, 06:25 AM
الأخ الفاضل الراشد جزاكم الله خيرا على هذه الموسوعة القيمة لمؤلفات شيخ الشهداء عبد الله عزام عليه رحمة الله
وشكرا لكل من شارك أو مر
http://www.daralansar.com/starsimg/Azzam.jpg
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
رجل بالف رجل
وكم من الرجال تمر بلا عداد
الشيخ عبد الله عزام
الشيخ العالم الرباني الاستاذ الجامعي و المجاهد في سبيل الله صاحب العلم و الفكر و العمل
صمام الامام للافغان
قتل بدم الغدر الصهيو صليبي
http://www.daralansar.com/starsimg/Azzam.jpg
ترك المحابر و الاقلام في بلاد الحجاز
لعيش تحت ازيز الرصاص و المدافع و الطائرات
حدثنا شيخي الدكتور نزار قال حدثني شيخي الدكتور عبد الله عزام
عن المجاهدين في فلسطين قال خرجوا في سرية
وبعد الاشتباك مع الاعداء همو بالانسحاب و تركوا احدهم وهوا المجاهد ابراهيم يغطي عليهم
الانسحاب
ابراهيم فوجئ وهوا في هذا الظلام الدامس يطلق الرصاص ليمكن لاخوانه من الانسحاب
ان اليهود لا يبتعدون عنه اكثر من متر واحد فايقن بالشهادة
فنزل في حفرة اتقاء من الرصاص وهم بجوارة وقال انظر اخر نظرة في المصحف الكريم
فوقع بصره على قول الله تعالى
" سلام على ابراهيم "
واسمة هوا ابراهيم
لم يستيقظ الا على حر الشمس في الصباح ولم يجد حوله الاعداء
فكان سلام على ابراهيم
انتها الحديث
الاخ الراشد جزاك الله خيرا هم رجال نفخر بالحديث عنهم
الاخ الشهيد الحي ما زلنا ننتظر عودك
الاخت امة الله اثريتي المشاركة وذكرتينا بها
جزاكم الله حيرا الجزاء