PDA

عرض الاصدار الكامل : التهدئة المجانية مستمرة.....عبد الباري عطوان


صمود
06-11-2005, 08:49 PM
نجح السيد محمود عباس، رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، في انتزاع تعهد بالالتزام مجددا بالتهدئة من فصائل المقاومة الاسلامية اثناء لقائه مع ممثليها قبل يومين في قطاع غزة، ولكن دون ان يقدم اي شيء في المقابل علي صعيد الافراج عن الاسري، ووقف بناء الجدار، ومصادرة الاراضي الفلسطينية، لانه، وببساطة شديدة، لا يملك في جعبته ما يمكن ان يقدمه، فارييل شارون رئيس الوزراء الاسرائيلي شريكه في العملية السلمية لم يعطه اي تنازل حقيقي مقابل نجاحه في تحقيق التهدئة لاكثر من ثلاثة اشهر، بل استغلها لاغتيال بعض نشطاء حركتي حماس والجهاد الاسلامي في قطاع غزة ومدينة جنين.
كان الانطباع السائد في الاوساط الفلسطينية يتلخص في ان زيارة السيد عباس الي واشنطن، ولقاءه مع الرئيس بوش ستتمخض عنهما نتائج كبري علي صعيد تسريع الانسحاب الاسرائيلي من قطاع غزة ومدن الضفة الغربية، وتفكيك مستوطنات رئيسية، واحياء عملية السلام، ولكن الشيء الوحيد الذي عاد به السيد عباس من واشنطن ومارس تنفيذه فورا هو توجيه بتأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وارجاء عقد المؤتمر العام لحركة فتح الحزب الحاكم. اي ان ربيع الديمقراطية الفلسطينية كان اقصر مما توقعه الكثيرون!
الادارة الامريكية لا تريد ديمقراطية فلسطينية حقيقية تقود الي مجلس تشريعي قوي يضم اغلبية من نواب حركة حماس ووطنيي حركة فتح وبعض المستقلين، يتمسك بالثوابت الفلسطينية ويراقب عمل السلطة ومؤسساتها، ويشرف بشكل مباشر علي المفاوضات، السرية منها والعلنية.
والشيء نفسه يقال ايضا عن مؤتمر حركة فتح الحزب الحاكم، فعقد المؤتمر العام للحركة يعني انتخاب لجنة مركزية، ومجلسا ثوريا جديدين، من الدماء الشابة النظيفة المخلصة، وهذا يعني، وببساطة شديدة ابعاد كل الوجوه الحالية في السلطة تقريبا، وربما محاسبتهم، او معظمهم بتهم الفساد والتفريط والتعاون مع جهات خارجية.
فمعظم اعضاء اللجنة المركزية في الحركة تجاوزوا الخامسة والستين، وكذلك اعضاء المجلس الثوري، الامر الذي يذكر بالمؤسسات المماثلة للاتحاد السوفييتي قبيل انهياره، او بالاحري التي ادت الي انهياره بجمودها وفسادها وتكلسها!
الوضع الفلسطيني الراهن مُضلِل ومخادع، لان الانطباع السائد في اوساط الرأي العام العربي والعالمي يقول بان الفلسطينيين تحرروا واقاموا دولتهم المستقلة، وهذا ما دفع احدي الفتيات المغربيات الي الذهاب الي سفارة فلسطين في الرباط طالبة تأشيرة دخول لزيارة فلسطين والتعرف علي اهلها. فطالما هناك سفارات وسفراء وقناصل وسكرتير اول وثاني وعاشر، ورئيس وزراء، ووزير خارجية وداخلية، فلماذا لا تصدق هذه الفتاة الطيبة، التي تنتمي الي شعب طيب كريم، ان الدولة قامت فعلا، وتريد الذهاب الي غزة لتهنئة اهلها والاحتفال معهم بقيامها؟
الاخبار القادمة من الارض المحتلة لا تتحدث عن انجازات عسكرية او سياسية، وانما خلافات حادة بين السيدين محمود عباس، رئيس السلطة، والسيد فاروق قدومي رئيس الدائرة السياسية، حول من يسيطر علي الحركة الدبلوماسية.
السيد عباس يقول ان السلطة تعني السفراء، لان الاعتراف الدولي بات محصورا بها فقط، بينما يقول السيد قدومي ان مرجعية اوسلو لا تسمح بتمثيل دبلوماسي، وحتي وان سمحت بقرار امريكي ـ اسرائيلي، فان منظمة التحرير ما زالت هي المرجعية، والارض الفلسطينية ما زالت تحت الاحتلال، وفلسطينيو الشتات ضعفا فلسطينيي الداخل. والقدومي محق في موقفه المبدئي هذا وان كان غير محق في الابقاء علي بعض السفراء الفاسدين المعاقين في السفارات الفلسطينية التي يزيد تعدادها عن ثمانين سفارة اي اكثر من سفارات الولايات المتحدة نفسها!
وجاءت تصريحات اللواء نصر يوسف وزير الداخلية الفلسطيني امام المجلس التشريعي يوم امس الاول لتكشف عورة السلطة واجهزتها الامنية امام الملأ. فقد كان الرجل شجاعا عندما قال ان هناك عصابات وعمليات بلطجة داخل اجهزة الامن، وذهب الي ما هو ابعد من ذلك عندما قال ان بعض قادة هذه الاجهزة يتعاملون مع اجهزة مخابرات اجنبية.
اللواء يوسف لم يحدد هذه الاجهزة الاجنبية التي يعمل بعض هؤلاء جواسيس لها، ونأمل ان لا تكون الاجهزة الاسرائيلية احداها، وان كنا لا نشك ابدا في وجود من يتعاون مع اجهزة المخابرات الامريكية، وعلي اعلي مستوي، فهي وبعض الاجهزة الامنية الاوروبية اشرفت علي تدريب قادة الامن الفلسطيني البارزين وهي التي تدفع الرواتب الشهرية.
ولعل الطامة الكبري هي المجلس التشريعي الذي يتحدث امامه ويستنجد به اللواء يوسف، فهؤلاء ضمنوا لانفسهم رواتب تقاعدية مدي الحياة، وسيارات مجانية وجوازات سفر دبلوماسية لهم وزوجاتهم ونسلهم المبارك حتي بعد خروجهم من المجلس، هذا اذا خرجوا، وهؤلاء من المفروض انهم يدافعون عن شعب يعيش سبعون في المئة منه تحت خط الفقر، وعلي اقل من دولارين في اليوم الواحد. فكيف يمكن والحال كذلك ان يقف هؤلاء ضد الفساد، ويطالبوا باصلاح الاجهزة الامنية طالما انهم باتوا بحاجة الي اصلاح؟!
انها سلطة فاسدة مستعصية علي الاصلاح، فعندما يفسد الامن، وتُرتشي المؤسسة التشريعية، ويغيب القضاء العادل المستقل، وتسود عصابات البلطجة داخل الاجهزة الامنية الرسمية، فان هذا اخطر علي المواطن الفلسطيني وقضيته من الاحتلال نفسه.
الشعب الفلسطيني بحاجة الي وقفة مع النفس تؤدي الي وقفة مراجعة مع هذه السلطة وكل رموزها، لانه من المعيب ان يقدم هذا الشعب كل هذه التضحيات، ويتحمل كل انواع المعاناة، وهناك من يسيء اليه وتاريخه ويتلاعب بمصيره.
سيأتي من يقول لنا ما هي بدائلكم، وما هي الحلول التي تقترحونها؟ نرد بكل بساطة ونقول ان بديلنا هو بديل كل الشعوب التي مرت بالتجربة نفسها، وهي المقاومة حتي انتهاء الاحتلال.