صمود
06-10-2005, 02:10 AM
السيدات والسادة الأكارم
مع التحية
د.إبراهيم حمّامي
إخوة لكم يستغيثونكم فهل من مجيب؟
أخوة لنا في الدم والمصير يتعرضون للإضطهاد والقهر والتعسف تحت سمع وبصر العالم، ويوجهون النداء تلو النداء لإغاثتهم ولا من مجيب، وكأنهم ليسوا بشر، بل وكأنهم ليسوا من غير البشر، فلو كانت نداءات الإستغاثة لإنقاذ حديقة حيوانات، أو حيتان جنحت للشاطيء، أو قرود لا تجد مأوى، لتحرك العالم بمؤسساته وهيئاته، وخصصت البرامج، وانطلقت حملات التبرع والتطوع لإنقاذهم، أما أن يكون المستغيث فلسطيني مستضعف يعاني الأمرين، ويعاقب لذنب لم يقترفه، بأيدي أعتى قوة غاشمة وأتباعها، فهذا أمر لا يستدعي التوقف عنده أو الحديث عنه!
أخوة وأخوات لنا في العراق الجريح ذنبهم الوحيد أنهم من فلسطين وأنهم عاشوا في العراق لسنوات طوال كان ضمنها المرحلة الصدامية، ليعاقبوا أكثر من مرة مع كل حكم جديد في العراق باعتبارهم الحلقة الأضعف، وها هو الآن التاريخ يعيد نفسه بصورة أبشع وبوجه أقبح، دون أن يحرك أي مسؤول فلسطيني كبير أو صغير ساكناً أو ينبس ببنت شفه، وحتى أصحاب الأقلام الحرة جفت أقلامهم وكأنهم اعتادوا أخبار المهانة فسكتوا عما يجري بدلاً من فضح الممارسات التعسفية بحق أبناء شعبنا، اعتادوها لأنها تتكرر دائماً مع كل مأساة تمر بها أمتنا العربية يدفع ثمنها الفلسطيني دموعاً ودماء.
ما أطرحه اليوم ليس مجرد مقال لكنه موضوع طويل وشائك ومليء بالماضي الأليم، والحاضر الأكثر إيلاماً، وسأُفصٍّل فيه ما استطعت، حتى وإن أطلت، علني أحرك بكلماتي الضمائر الحية لكشف الحقيقة وتخفيف معاناة جزء منا يتضور ويناشد وينادي.
قبل التطرق لتفاصيل ما يحدث الآن، لا مفر من إلقاء نظرة على تاريخ اللاجئين الفلسطينيين في العراق ليتعرف إخوانهم عليهم وعلى خصائصهم، لنرصد بعدها ما يمرون به، وهنا أقتبس من دراستين للسادة نبيل السهلي ولبيب قدسية:
نبذة تاريخية:
تشير الدراسات المختلفة حول اللاجئين في العراق ، أنه رحل تحت وطأة المجازر الاسرائيلية نحو (4000) فلسطيني معظمهم من قرى قضاء حيفا الى جمهوريـة العراق ، و ذلك بواسطة شاحنات الجيش العراقي التي انسحبت من الساحل الفلسطيني الى جنين وكان لوجود الجيش العراقي في منطقة جنين، والذي خاض فيها معارك مشرفة، دورٌ كبيرٌ في ترحيل بضعة آلاف من اللاجئين الفلسطينيين من سكان المثلث القروي (إجزم، جبع، عين غزال) الذين تواجدوا في مناطق عملياته العسكرية، إلى القطر العراقي مباشرة وبأوامر من حكومة نوري السعيد، التي كانت في سدة الحكم إبان نكبة عام 1948، حيث تجمعت و انتقلت بعد ذلك الى بغداد ، و تتفاوت أرقام اللاجئين الفلسطينيين الى العراق بسبب تعدد المصادر إلا أن الواقع يشير إلى (4000-5000) لاجئ فلسطيني في عام 1948 ، و تبعاً لمعدلات النمو الطبيعي بين اللاجئين الفلسطينيين في العراق ارتفع مجموعهم ليصل الى (23461) لاجئاً في عام 1985 ، ثم الى (24235) لاجئاً فلسطينياً في عام 1986 حسب المجموعة الإحصائية الفلسطينية لعامي 1985 و 1986 ، و بفعل النمو وصل الرقم الى (36631) لاجئاً في عام 1998 ثم الى (40000) لاجئاً في عام 2000 ، و بناءً على معدلات النمو السائدة (3.5) في المائة فإن الاسقاطات السكانية تشير الى احتمالات ارتفاع مجموع اللاجئين الفلسطينيين في العراق الى (44000) في نهاية العام الحالي 2003 ثم الى (47508) لاجئاً بحلول عام 2005 .
تستأثر العاصمة العراقية بغداد على 96.1% من اللاجئين الفلسطينيين في العراق ، و2.4% في الموصل ، و 1.5 % في البصرة.
يعتبر المجتمع الفلسطيني في العراق فتياً ، شأنه في ذلك شأن كافة المجتمعات الفلسطينية التي تتمتع بمعدلات نمو سكانية عالية ، حيث تصل نسبة الأطفال بين اللاجئين الفلسطينيين في العراق الى (41) في المائة ، و يتركز معظم اللاجئين في العراق في العاصمة العراقية بغداد و مناطق حضرية أخرى ، فهناك ثمة (99) في المائة من اللاجئين الفلسطينيين في العراق يقطنون المناطق الحضريــة ، و يتوزعون على مناطق ، بغداد الجديدة ، و مدينة الحرية ، و حي الســـــلام ، و الطوبجي ، و الزعفرانية، فضلاً عن أعداد قليلة في المدن العراقية الأخرى ، في الموصل و البصرى و غيرها.
و يمكن تقسيم سكن اللاجئين الفلسطينيين في العراق الى خمسة أنواع:
أولاً : الدور المجمدة من قبل الدولة، و يتوزع السكن فيهاعلى أساس غرفة الى ثلاث غرف حسب وضع العائلة ، و تقدر نسبة اللاجئين الفلسطينيين الذين يسكنون هذه الدور 12.7% من مجموع اللاجئين .
ثانياً : الملاجئ و هي عبارة عن بيوت قديمة و كبيرة الحجم تضم أسر كبيرة و هي غير صالحة للسكن .
ثالثاً : الدور الحكومية و المستأجرة و هي أشبه ما تكون بالمساكن الشعبية .
رابعاً : العمارات السكنية في حي 7 نيسان و تقدر نسبة القاطنين من اللاجئين 19.38% من اللاجئين .
خامساً : بيوت حكومية مؤجرة و مجمدة متنوعة و متناثرة على مختلف مناطق بغداد و أحيائها الشعبية .
و من خلال مسوح بالعينة لوحظ أن أكثرية اللاجئين الفلسطينيين (84%) في العراق يفضلون السكن في التجمعات الفلسطينية ، رغم عدم ملائمة هذه التجمعات و الأبنية فيها ، و اكتظاظها بالسكان، أما (16) % يفضلون السكن بعيداً عن تلك التجمعات ، و يشار الى أن هناك (84.3) % من اللاجئين الفلسطينيين في العراق يشغلون سكناً على نفقة الحكومة العراقية ، في حين يقطن 13.3% من اللاجئين يشغلون سكناً على نفقاتهم الخاصة و هم من أصحاب الدخل المتوسط ، أما (2.4)% من اللاجئين يملكون دوراً خاصة بهم ، و تعتبر الفئة الأخيرة من فئة الدخول المرتفعة.
و من الأهمية بمكان الاشارة ، الى أن العراق لم يوافق منذ البداية على إشراف وكالة الغوث الدولية على شؤون اللاجئين الفلسطينيين الذين هجروا الى العراق ، بل تولت وزارة الدفاع العراقية هذه المهمة ، حيث أسكنتهم في الأشهر الأولى لقدومهم في الكليات و المعاهد و المدارس و الفنـادق و غيرها ، و عندما انتهت العطلة الصيفية ، اضطرت الحكومة العراقية الى نقل قسماً كبيراً منهم الى البصرة ، حيث تم اسكانهم في معسكر الشعيبية ، كما نقلت بعض العائلات الى مدينــة الموصل ، و أعيد إسكان العائلات المتبقية في بغداد في عدة نوادي منها : نادي الرافدين ، و نادي العلويـة ، و نادي الزوراء ، و نادي الرشيد و غيرها ، و ظل اللاجئون الفلسطينيون يتلقون المساعدات العينية من وزارة الدفاع العراقية حتى عام 1950 ، حيث أصبحت مسؤوليتهم على عاتق وزارة الشؤون الاجتماعية و العمل ، و التي أسست بدورها شعبة خاصة لرعايتهم و الإشراف عليهم ، سميت مديرية شؤون اللاجئين الفلسطينيين في العراق ، و تشرف هذه المديرية على شؤون اللاجئين الفلسطينيين فقط ، و ليس لها علاقة بباقي الفلسطينيين الذين وفدوا الى العراق للإقامة فيه ، و قد حددت المديرية تعريف اللاجئ الفلسطيني الى العراق ، بأنه "الإنسان الفلسطيني الذي هاجر من بلده المحتل عام 1948 و دخل الى العراق و أقام فيه قبل تاريخ 25/9/1958.
كانت هناك العديد من الوعود لتحسين سكن اللاجئين الفلسطينيين ولكنها لم تُنفّذ بسبب سرعة تغير الحكومات في القطر العراقي، وبسبب السياسة الخاطئة التي لم تفكر إلا في تأمين الملاجئ، فكلما أوشك الملجأ على الانهيار أوجدت المديرية ملجأ غيره رغم الاخطار الصحية والاجتماعية التي تنشأ في هذه الملاجئ. لذلك كان لا بد من إيجاد الحل المناسب لسكان هذه الملاجئ وإنقاذهم من التردي الصحي والنفسي والأخلاقي. ونقلهم إلى مساكن ملائمة لبناء الأسرة السليمة اجتماعياً وصحياً ونفسياً ريثما تحل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً، وتتحقق العودة المرتقبة، وبذلك تصبح هذه المساكن بعد فراغها، مشاريع سكنية جاهزة لاستيعاب المواطنين العراقيين، لأنها في الأصل هي ملك للدولة العراقية وليست ملكاً للاجئين الفلسطينيين، الذين "لا يحق لهم شراء الأراضي والبناء وطلب السلف السكنية والتعاونية والعقارية.
و يشار أيضاً أنه قد دخلت أعداد ليست بالقليلة من النازحين الفلسطينيين بعد حرب عام 1967 ، و لكن الحكومة العراقية لم تمنحهم الإذن بالإقامة على أراضيها تنفيذاُ لقرار الجامعة العربية، الذي يقضي بعدم السماح للنازحين الفلسطينيين بترك أراضيهم تحت وطأة الاحتلال الاســرائيلي و نزوحهم الى الأقطار العربية ، لذلك اضطر هؤلاء البقاء في العراق بصورة غير شرعية مهددين بالطرد رغم تدخل سفارة فلسطين و اتحاد عمال فلسطين هناك .
و بشكل عام فإن مجموع اللاجئين الفلسطينيين في العراق تصل نسبتهم الى (1.1) في المائة من إجمالي مجموع اللاجئين الفلسطينيين المقدر في عام 2003 بنحو اربعة ملايين لاجىء.
إن اللاجئين الفلسطينيين في العراق ، عانوا كثيراً من جراء التهجير و فقدان ملكياتهم في قراهم في فلسطين ، و عاشوا ظروفاً خاصة في العراق و في تجمعات أقرب الى المخيمات الفلسطينية في باقي تجمعات اللاجئين الفلسطينيين في سورية و لبنان و الأردن و الضفة و القـطاع ، و كذلك اللاجئين في أرضهم داخل الخط الأخضر ، و ساعد ذلك في الإبقاء على بعض العـادات و التقاليد في مجال الأتراح و الأفراح ، و كذلك حافظت تلك التجمعات الفلسطينية في العراق على الذاكرة الجماعية للاقتلاع ، و ذكريات الوطن المختلفة ،و قد شارك اللاجئون الفلسطينيون في العراق في نضالات الشعب الفلسطيني ، و انضموا الى فصائل العمل الوطني خلال الفترة (1964-2003)، و قدموا على مدار تلك الفترة أكثر من (350) شهيداً أمـلاً بالعودة الى الوطن
النشاط السياسي لفلسطينيي العراق:
كما قلنا من البداية أن اللاجئين الفلسطينيين الذين هاجروا إلى العراق كانوا من الفلاحين البسطاء سكان القرى الثلاث (إجزم، جبع، عين غزال) الذين لم يعرفوا الأحزاب السياسية ولم ينخرطوا فيها، لذلك لم يحملوا معهم إلى العراق أية افكار حزبية أو سياسية، وبعد عقدين من الزمان تطورت الجماعة الفلسطينية في العراق وانخرطت في المجتمع العراقي وخاصة في المدن الثلاث بغداد والبصرة والموصل. وعندما ظهرت منظمة التحرير الفلسطينية انخرط فلسطينيو العراق في مؤسساتها التنظيمية والسياسية والعسكرية والثقافية. وكان قبل مجيء منظمة التحرير الفلسطينية إلى العراق، مكاتب للهيئة العربية العليا بقيادة الحاج امين الحسيني والتي كانت تشرف على فوج التحرير الفلسطيني الأول في زمن عبد الكريم قاسم. كما كان هناك رابطة أبناء فلسطين في العراق، التي أنشئت من أجل رعاية أبناء فلسطين المقيمين في العراق ومن أجل العمل على إظهار القضية الفلسطينية عراقياً وعربياً ودولياً. وكان شعار الرابطة "اننا عائدون". وبعد ظهور المنظمات الفلسطينية، دخل العديد من الشبان في هذه المنظمات، وكان هدفهم الوحيد مقاتلة العدو الصهيوني، من أجل العودة إلى تراب فلسطين المقدس.
وقد شارك معظم الفلسطينيين العاملين في العراق بدفع ضريبة التحرير وقدرها 3% من الراتب، تستقطع كل شهر لصالح الصندوق القومي الفلسطيني وذلك بموجب القرار الوزاري الصادر بتاريخ 22/8/1964 تحت رقم (130) والذي طبق بأثر رجعي اعتباراً من 1/10/1964، وقد عدل هذا القانون ليشمل كل إنسان فلسطيني يعمل في العراق سواء أكان موظفا حكومياً أو موظفاً في شركة أو يعمل بالأعمال الحرة.
وقبل حرب الخليج كان يتواجد في العراق العديد من التنظيمات الفلسطينية السياسية والعسكرية وقد شاركت هذه التنظيمات جنباً إلى جنب مع قوات الجيش العراقي في الدفاع عن العراق في حربه ضد قوات التحالف الامريكية الاوروبية. وهذه التنظيمات هي:
1. جيش التحرير الوطني الفلسطيني (قوات الاقصى) التابعة لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية.
2. حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) بقيادة الرئيس ياسر عرفات.
3. جبهة التحرير العربية/ التابعة لحزب البعث العراقي.
4. جبهة التحرير الفلسطينية/ بقيادة ابو العباس.
5. جبهة النضال الشعبي/ بقيادة الدكتور سمير غوشة.
6. وهناك بعض التنظيمات الفلسطينية ذات الاتجاه الاسلامي (كالجهاد الاسلامي وحماس)
أما بالنسبة للنشاطات النقابية، فقد انتظم الشباب في عدة نقابات واتحادات فلسطينية فرعية تابعة للنقابات وللاتحادات الفلسطينية الرئيسية التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية.
وكان أقدم هذه الاتحادات هو الاتحاد العام لطلبة فلسطين الذي برز عام 1963 ثم أعيد تشكيله من جديد عام 1965، ثم تلاه الاتحاد العام لعمال فلسطين الذي تأسس عام 1965، فالاتحاد العام للمرأة الفلسطينية في العراق، الذي تأسس عام 1966، ثم تحول إلى لجنة المرأة الفلسطينية عام 1969 ثم رابطة المرأة الفلسطينية عام 1970. وتشرف على مركز لتدريب الفتيات على الخياطة والتطريز ويقع في البلديات. وكان آخر الاتحادات الفلسطينية في الظهور "الاتحاد العام للمعلمين الفلسطينيين - رابطة العراق" سنة 1970.
وباشراف من منظمة التحرير الفلسطينية شكلت الاتحادات الاربعة ما أطلق عليه اسم "المجلس القطري للاتحادات الفلسطينية في العراق" من أجل تنسيق نشاطاتها في كافة المجالات وتمثيل فلسطينيي العراق في كافة الاجتماعات الفلسطينية.
كما تشكلت في السنوات اللاحقة عدة نقابات:
1. الاتحاد العام للمهندسين الفلسطينيين، وهو ائتلاف ما بين حركة فتح وجبهة التحرير العربية.
2. اللجنة الأولمبية الفلسطينية (لرعاية الشباب والرياضة) في العراق وتشرف على النادي الرياضي الذي يقع في البلديات، والذي يمتلك ملعباً خاصاً به لكرة القدم والسلة والطائرة.
3. منظمة الاشبال والزهرات، وذلك لرعاية الطلاب والطالبات حتى سن (15) سنة في العطل المدرسية الصيفية، لبناء جيل فلسطيني مؤمن بعدالة قضيته وبحقه في الوجود والحياة الحرة الكريمة.
4. الإتحاد العام للفنانين الفلسطينيين.
وجميع هذه النقابات تابعة للنقابات المهنية الرئيسية الممثلة في المجلس الوطني والمجلس المركزي التابعين لمنظمة التحرير الفلسطينية.
كما تشكل في سنوات لاحقة عدة نقابات مهنية منها نقابة الأطباء ونقابة المهندسين ونقابة المحامين وكلها تابعة للنقابات الرئيسية في منظمة التحرير كما مثلوا إخوانهم الفلسطينيين في المجلس الوطني والمجلس المركزي الفلسطيني التابعين لمنظمة التحرير الفلسطينية.
وخلال العشر سنوات الأخيرة من عام 1982-1992 خطا الفلسطينيون في العراق خطوات واسعة وشاركوا إخوانهم العراقيين في كافة المجالات الحياتية. وتقاسموا حلوها ومرها، وخاصة بعد حرب الخليج وفرض الحصار الشامل على كافة أراضي العراق، فقد وقف الفلسطينيون وفقة مشرفة إلى جانب إخوانهم العراقيين، وتحملوا ضيق العيش وقلة العمل، وهم لا يزالون على هذه الحالة حتى اللحظة.
مشاريع التوطين في العراق:
مع انطلاقة مفاوضات التسوية في مدريد بين الاطراف العربية واسرائيل في نهاية عام 1991، كثر الحديث عن مشاريع توطين و تأهيل ودمج اللاجئين الفلسطينيين ، و لعل أبرز تلك المشاريع التي كثر الخوض فيها مشروع توطين اللاجئين الفلسطينيين في العراق ، كخطوة لرفع الحصار الاقتصادي عن العراق ، لكن الملاحظ أن الحكومة العراقية ، و الفلسطينيين رفضوا بشــكل معلن و قاطع تلك المشاريع التي استهدفت أساساً محاولة جذب العراق لتأييد مشروع السلام في الشرق الأوسط ، و حل جزء من قضية اللاجئين عبر قبول العراق باستيعاب و توطين مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين.
و المتابع لمشاريع توطين اللاجئين الفلسطينيين في العراق ، يرى بشكل جلي أن جذور الفكرة تعود الى عام 1911 ، عندما اقترح الداعية الروسي الصهيوني "جو شواه بوخميل" مشروع ترحيل عرب فلسطين الى شمال سورية و العراق ، و كان ذلك أمام لجنة فلسطين التابعة للمؤتمر الصهيوني العاشر المنعقد في مدينة بازل بسويسرا في السنة ذاتها.
و في عام 1930 ظهر وضوح كامل لاستراتيجية الزعماء اليهود في الحركة الصهيونية فيما يختص بهذه الفكرة من خلال خطة وايزمن المقدمة لمسؤولين و وزراء بريطانيين أثناء محادثات خاصة .
و قد قام المليونير اليهودي المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية "إدوارد نورمان" بمحاولات حثيثة خلال الفترة (1934-1948) لترحيل الفلسطينيين الى العراق ، و كانت فكرة نورمان حول وجهة نظر مفادها ، أن مكان توطين الأفضل خاصة للعرب الذين تمرسوا الزراعة هي العــراق ، و مبرر ذلك أن الترحيل لا يعتبر الى بلد أجنبي ، إن الحدود التي أقيمت منذ الحرب تكاد تكون غير معروفة لكثير من العرب ، كما أن اللغة و العادات كلها واحدة ، صحيح أن الانتقال أياً كان نوعه ، يعني ترك الأماكن المألوفة ، لكن التمسك الشديد بالمكان ليس من تقاليد العرب فالعادات البدوية ما زالت ذات قوي حتى في صفوف العناصر الحضري.
و في عام 1949 برزت الى الأمام العديد من مشاريع توطين اللاجئين الفلســـطينيين ، و ظهرت اقتراحات لتعويضهم و دمجهم ، و من أهم تلك المشاريع ، هو مشروع توطينهم في العراق، الذي وضعته بريطانيا ، و قطعت أشواطاً على طريق تنفيذه و ذلك حسب ما جاء في وثائق الخارجية البريطانية التي أميط عنها اللثام عام 1985 ، لكن كافة المشاريع ذهبت في مهب الريح نتيجة الموقف الرسمي العراقي ، و كذلك رفض اللاجئين لفكرة توطينهم و دمجهم و إعادة توزيعــهم، و مع توقيع اتفاقات أوسلو في أيلول 1993، جرت محاولات أمريكية و غربية لتوطين آلاف اللاجئين الفلسطينيين في العراق مقابل رفع الحصار عنه و قبوله مبدأ عملية السلام في الشرق الأوسط لكن الخطاب السياسي العراقي الرسمي كان واضحاً و زادت وتيرته في عام 2000 ، لجهة رفض تلك المحاولات ، و جاء ذلك على لسان أكثر من مسؤول في الحكومة العراقية في عام 1999 و عام 2000 ، ناهيك عن الرفض المطلق من قبل اللاجئين الفلسطينيين و خاصة في مخيمات و تجمعات الفلسطينيين في لبنان .
و في السياق نفسه ، هناك ثمة سببان تراهما "اسرائيل" لترشيح العراق كمركز استيطان دائم للفلسطينيين:
الأول : أن أرض العراق الواسعة و الخصبة تمثل إغراء للفلسطينيين يجعلهم يستغنون بمرور الزمن عن فكرة العودة الى أرض فلسطين ، فحسب الرأي الاسرائيلي ، فإن أرض العراق تعتبر تعويضاً مجزياً عما أصاب الفلسطينيين من التهجير و فقدان ممتلكاتهم .
الثاني : هو أن توطين الفلسطينيين في العراق ، حسب الرؤية الاسرائيلية يحقق جانباً من الضمانات الأمنية على المستقبل البعيد ، أكثر من مما يحققه توطينهم في الدول المحاذية لإســـرائيل ، كالأردن و سورية و لبنان ، فالبعد الجغرافي للدولة العراقية عن الكيان الاسرائيلي ، يجعل الاسرائيليين بمنأى عن أية محاولات فلسطينية مستقبلية لاختراق الحدود الاسرائيلية ، و تهديد الأمن الاسرائيلي ، فضلاً عن أن هذا البعد سيعيق تفكير الفلسطينيين أنفسهم بمواصلة العمليات المناهضة لإسرائيل.
حرب الخليج – الفلسطيني يدفع الضريبة:
لم يتعرض أي شعب لظلم تاريخي خلال حرب الخليج كما الشعب الفلسطيني الذي اتهمته الكويت بدعم الغزو العراقي لها، لتصب بعض الجهات المنفلتة جام غضبها وعُقدها على الفلسطينيين الذين ساهموا وبشكل لا يمكن انكاره في نهضة الكويت، ليتم دفعهم وبطرق ووسائل متنوعة لمغادرة البلاد، منها انهاء الخدمات وسحب الإقامات والتوقيف والإعتقال والإهانة والتعذيب بل وبالقتل، ليتناقص عدد الفلسطينيين في الكويت من قرابة نصف مليون إلى اقل من 30000 فلسطيني، بحجة دعم صدام وهو ما تنفيه شهادات الشهود والتوثيقات التي تثبت عكس ذلك، وأنه من خلال خبرة التهجير قام الفلسطينيون على سبيل المثال بخبز الخبز في المنازل وتوزيعها على من تبقى من عائلات كويتية، وغيرها من قصص الوفاء الذي يميز الشعب الفلسطيني.
ولا أدل على كذب هذه الإدعاءات ما اتخذته السلطات العراقية بعد انتهاء الحرب من قرارات مجحفة بحق الفلسطينيين في العراق، ليعاقب الفلسطيني مرتين، مرة من الكويت لدعمه العراق، ومرة من العراق لعدم دعمه له!، وهذا جزء من هذه القرارات والقوانين التي سنتها الحكومة العراقية بعد حرب الخليج الثانية:
1. إلغاء رخص السياقة العمومية التي كان يتمتع بها الفلسطينيون الذين لجأوا إلى العراق، بعد نكبة عام 1948، ونكسة عام 1967 وهي ميزة كانت ممنوحة لهم قبل حرب الخليج.
2. منع تملك الأرض لأي فلسطيني، وهو امتياز حصل عليه الفلسطينيون أثناء الحرب العراقية - الايرانية، وقد تم إلغاؤه.
3. يمنع تأجير المحلات التجارية للفلسطينيين، وعدم منحهم وثيقة تجارية للاستيراد والتصدير، حيث كان لهم الحق في ذلك قبل حرب الخليج.
4. عدم السماح بالسفر للفلسطينيين الذين يحملون وثيقة سفر عراقية إلا في حالات استثنائية محدودة جداً ومرة كل عام.
5. عدم تسجيل أي بيت باسم اللاجئ الفلسطيني في العراق، وكان معمولاً به قبل حرب الخليج، واستمر تطبيقه بعد الحرب. إن تطبيق هذه القوانين قد أضر بمصالح الفلسطينيين وزاد من معاناتهم، وحرمانهم من حرية الحركة ومن مزاولة أعمالهم وتجارتهم مما أدى إلى تدهور أوضاعهم الاقتصادية وانخفاض مستوى المعيشة.
6. كما أخذت الحكومة العراقية برفض طلبات التعيين في الوظائف الحكومية للفلسطينيين والعرب الآخرين، وذلك من أجل توفير فرص العمل للعراقيين بشكل أفضل.
7. منع الفلسطينيين من امتلاك السيارات الخصوصية والعمومية، كما رافق ذلك ارتفاع حاد في إيجارات السكن، مما أثر على أوضاع الفلسطينيين الاجتماعية ايضاً، فقد انخفضت نسبة الزواج وزادت نسبة الطلاق، بسبب المشاكل الاجتماعية التي تزايدت بتزايد نسبة البطالة، والاكتظاظ السكاني للعائلات الفلسطينية في السكن الواحد.
رغم كل ذلك تحمل الفلسطيني ظلم ذوي القربى وعاش من تبقى في الكويت يعمل ويعطي للمجتمع، وكذلك عاش الفلسطيني أثناء فترة الحصار في العراق مع إخوانه أبناء الشعب العراقي على السراء والضراء، وعلى الحلوة والمرة حيث كانت انعكاسات الحصار الدولي على العراق كثيرة و متشعبة على اللاجئين الفلسطينيين في العراق و أشقائهم العراقيين و لكنها كانت أخطر على الأطفال كما أشارت معدلات الوفيات بينهم حيث بلغت معدلات وفيات الأطفال دون الخامسة من العمر من (95) بالألف الى (125) بالألف خلال سنوات الحصار ، كذلك انتشرت ظاهرة تشغيل الأطفال ، حيث لم تغطي حصص التموين التي توزعها الدولة المتطلبات الغذائية للأسرة الفلسطينية و العراقية ، فأشارت معطيات التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2000 ، بأن (3-11) في المائة من إجمالي الأطفال بين (10-14) سنة من العمر في العراق كانوا يعملون في سوق العمل العراقية ، ما يؤدي الى انعكاسات اجتماعية على الأسرة و المجتمع الفلسطيني و العراقي في ذات الوقت ، و تعرض الأطفال لحالات تعسف شديدة في الأجور و غيرها.
و على المستوى الاقتصادي و نتيجة الحصار الدولي على العراق ، فإن دخل الأسرة الفلسطينية بات لا يتعدى (50) دولاراً ، بعد تدهور سعر العملة العراقية ، و لم يبقى للاجئين الفلسطينيين في الوقت الراهن سوى اقتناء السكن المجاني على حساب وزارة العمل ، و هو سكن في كل الأحوال لا يتمتع بالاستقرار.
مع التحية
د.إبراهيم حمّامي
إخوة لكم يستغيثونكم فهل من مجيب؟
أخوة لنا في الدم والمصير يتعرضون للإضطهاد والقهر والتعسف تحت سمع وبصر العالم، ويوجهون النداء تلو النداء لإغاثتهم ولا من مجيب، وكأنهم ليسوا بشر، بل وكأنهم ليسوا من غير البشر، فلو كانت نداءات الإستغاثة لإنقاذ حديقة حيوانات، أو حيتان جنحت للشاطيء، أو قرود لا تجد مأوى، لتحرك العالم بمؤسساته وهيئاته، وخصصت البرامج، وانطلقت حملات التبرع والتطوع لإنقاذهم، أما أن يكون المستغيث فلسطيني مستضعف يعاني الأمرين، ويعاقب لذنب لم يقترفه، بأيدي أعتى قوة غاشمة وأتباعها، فهذا أمر لا يستدعي التوقف عنده أو الحديث عنه!
أخوة وأخوات لنا في العراق الجريح ذنبهم الوحيد أنهم من فلسطين وأنهم عاشوا في العراق لسنوات طوال كان ضمنها المرحلة الصدامية، ليعاقبوا أكثر من مرة مع كل حكم جديد في العراق باعتبارهم الحلقة الأضعف، وها هو الآن التاريخ يعيد نفسه بصورة أبشع وبوجه أقبح، دون أن يحرك أي مسؤول فلسطيني كبير أو صغير ساكناً أو ينبس ببنت شفه، وحتى أصحاب الأقلام الحرة جفت أقلامهم وكأنهم اعتادوا أخبار المهانة فسكتوا عما يجري بدلاً من فضح الممارسات التعسفية بحق أبناء شعبنا، اعتادوها لأنها تتكرر دائماً مع كل مأساة تمر بها أمتنا العربية يدفع ثمنها الفلسطيني دموعاً ودماء.
ما أطرحه اليوم ليس مجرد مقال لكنه موضوع طويل وشائك ومليء بالماضي الأليم، والحاضر الأكثر إيلاماً، وسأُفصٍّل فيه ما استطعت، حتى وإن أطلت، علني أحرك بكلماتي الضمائر الحية لكشف الحقيقة وتخفيف معاناة جزء منا يتضور ويناشد وينادي.
قبل التطرق لتفاصيل ما يحدث الآن، لا مفر من إلقاء نظرة على تاريخ اللاجئين الفلسطينيين في العراق ليتعرف إخوانهم عليهم وعلى خصائصهم، لنرصد بعدها ما يمرون به، وهنا أقتبس من دراستين للسادة نبيل السهلي ولبيب قدسية:
نبذة تاريخية:
تشير الدراسات المختلفة حول اللاجئين في العراق ، أنه رحل تحت وطأة المجازر الاسرائيلية نحو (4000) فلسطيني معظمهم من قرى قضاء حيفا الى جمهوريـة العراق ، و ذلك بواسطة شاحنات الجيش العراقي التي انسحبت من الساحل الفلسطيني الى جنين وكان لوجود الجيش العراقي في منطقة جنين، والذي خاض فيها معارك مشرفة، دورٌ كبيرٌ في ترحيل بضعة آلاف من اللاجئين الفلسطينيين من سكان المثلث القروي (إجزم، جبع، عين غزال) الذين تواجدوا في مناطق عملياته العسكرية، إلى القطر العراقي مباشرة وبأوامر من حكومة نوري السعيد، التي كانت في سدة الحكم إبان نكبة عام 1948، حيث تجمعت و انتقلت بعد ذلك الى بغداد ، و تتفاوت أرقام اللاجئين الفلسطينيين الى العراق بسبب تعدد المصادر إلا أن الواقع يشير إلى (4000-5000) لاجئ فلسطيني في عام 1948 ، و تبعاً لمعدلات النمو الطبيعي بين اللاجئين الفلسطينيين في العراق ارتفع مجموعهم ليصل الى (23461) لاجئاً في عام 1985 ، ثم الى (24235) لاجئاً فلسطينياً في عام 1986 حسب المجموعة الإحصائية الفلسطينية لعامي 1985 و 1986 ، و بفعل النمو وصل الرقم الى (36631) لاجئاً في عام 1998 ثم الى (40000) لاجئاً في عام 2000 ، و بناءً على معدلات النمو السائدة (3.5) في المائة فإن الاسقاطات السكانية تشير الى احتمالات ارتفاع مجموع اللاجئين الفلسطينيين في العراق الى (44000) في نهاية العام الحالي 2003 ثم الى (47508) لاجئاً بحلول عام 2005 .
تستأثر العاصمة العراقية بغداد على 96.1% من اللاجئين الفلسطينيين في العراق ، و2.4% في الموصل ، و 1.5 % في البصرة.
يعتبر المجتمع الفلسطيني في العراق فتياً ، شأنه في ذلك شأن كافة المجتمعات الفلسطينية التي تتمتع بمعدلات نمو سكانية عالية ، حيث تصل نسبة الأطفال بين اللاجئين الفلسطينيين في العراق الى (41) في المائة ، و يتركز معظم اللاجئين في العراق في العاصمة العراقية بغداد و مناطق حضرية أخرى ، فهناك ثمة (99) في المائة من اللاجئين الفلسطينيين في العراق يقطنون المناطق الحضريــة ، و يتوزعون على مناطق ، بغداد الجديدة ، و مدينة الحرية ، و حي الســـــلام ، و الطوبجي ، و الزعفرانية، فضلاً عن أعداد قليلة في المدن العراقية الأخرى ، في الموصل و البصرى و غيرها.
و يمكن تقسيم سكن اللاجئين الفلسطينيين في العراق الى خمسة أنواع:
أولاً : الدور المجمدة من قبل الدولة، و يتوزع السكن فيهاعلى أساس غرفة الى ثلاث غرف حسب وضع العائلة ، و تقدر نسبة اللاجئين الفلسطينيين الذين يسكنون هذه الدور 12.7% من مجموع اللاجئين .
ثانياً : الملاجئ و هي عبارة عن بيوت قديمة و كبيرة الحجم تضم أسر كبيرة و هي غير صالحة للسكن .
ثالثاً : الدور الحكومية و المستأجرة و هي أشبه ما تكون بالمساكن الشعبية .
رابعاً : العمارات السكنية في حي 7 نيسان و تقدر نسبة القاطنين من اللاجئين 19.38% من اللاجئين .
خامساً : بيوت حكومية مؤجرة و مجمدة متنوعة و متناثرة على مختلف مناطق بغداد و أحيائها الشعبية .
و من خلال مسوح بالعينة لوحظ أن أكثرية اللاجئين الفلسطينيين (84%) في العراق يفضلون السكن في التجمعات الفلسطينية ، رغم عدم ملائمة هذه التجمعات و الأبنية فيها ، و اكتظاظها بالسكان، أما (16) % يفضلون السكن بعيداً عن تلك التجمعات ، و يشار الى أن هناك (84.3) % من اللاجئين الفلسطينيين في العراق يشغلون سكناً على نفقة الحكومة العراقية ، في حين يقطن 13.3% من اللاجئين يشغلون سكناً على نفقاتهم الخاصة و هم من أصحاب الدخل المتوسط ، أما (2.4)% من اللاجئين يملكون دوراً خاصة بهم ، و تعتبر الفئة الأخيرة من فئة الدخول المرتفعة.
و من الأهمية بمكان الاشارة ، الى أن العراق لم يوافق منذ البداية على إشراف وكالة الغوث الدولية على شؤون اللاجئين الفلسطينيين الذين هجروا الى العراق ، بل تولت وزارة الدفاع العراقية هذه المهمة ، حيث أسكنتهم في الأشهر الأولى لقدومهم في الكليات و المعاهد و المدارس و الفنـادق و غيرها ، و عندما انتهت العطلة الصيفية ، اضطرت الحكومة العراقية الى نقل قسماً كبيراً منهم الى البصرة ، حيث تم اسكانهم في معسكر الشعيبية ، كما نقلت بعض العائلات الى مدينــة الموصل ، و أعيد إسكان العائلات المتبقية في بغداد في عدة نوادي منها : نادي الرافدين ، و نادي العلويـة ، و نادي الزوراء ، و نادي الرشيد و غيرها ، و ظل اللاجئون الفلسطينيون يتلقون المساعدات العينية من وزارة الدفاع العراقية حتى عام 1950 ، حيث أصبحت مسؤوليتهم على عاتق وزارة الشؤون الاجتماعية و العمل ، و التي أسست بدورها شعبة خاصة لرعايتهم و الإشراف عليهم ، سميت مديرية شؤون اللاجئين الفلسطينيين في العراق ، و تشرف هذه المديرية على شؤون اللاجئين الفلسطينيين فقط ، و ليس لها علاقة بباقي الفلسطينيين الذين وفدوا الى العراق للإقامة فيه ، و قد حددت المديرية تعريف اللاجئ الفلسطيني الى العراق ، بأنه "الإنسان الفلسطيني الذي هاجر من بلده المحتل عام 1948 و دخل الى العراق و أقام فيه قبل تاريخ 25/9/1958.
كانت هناك العديد من الوعود لتحسين سكن اللاجئين الفلسطينيين ولكنها لم تُنفّذ بسبب سرعة تغير الحكومات في القطر العراقي، وبسبب السياسة الخاطئة التي لم تفكر إلا في تأمين الملاجئ، فكلما أوشك الملجأ على الانهيار أوجدت المديرية ملجأ غيره رغم الاخطار الصحية والاجتماعية التي تنشأ في هذه الملاجئ. لذلك كان لا بد من إيجاد الحل المناسب لسكان هذه الملاجئ وإنقاذهم من التردي الصحي والنفسي والأخلاقي. ونقلهم إلى مساكن ملائمة لبناء الأسرة السليمة اجتماعياً وصحياً ونفسياً ريثما تحل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً، وتتحقق العودة المرتقبة، وبذلك تصبح هذه المساكن بعد فراغها، مشاريع سكنية جاهزة لاستيعاب المواطنين العراقيين، لأنها في الأصل هي ملك للدولة العراقية وليست ملكاً للاجئين الفلسطينيين، الذين "لا يحق لهم شراء الأراضي والبناء وطلب السلف السكنية والتعاونية والعقارية.
و يشار أيضاً أنه قد دخلت أعداد ليست بالقليلة من النازحين الفلسطينيين بعد حرب عام 1967 ، و لكن الحكومة العراقية لم تمنحهم الإذن بالإقامة على أراضيها تنفيذاُ لقرار الجامعة العربية، الذي يقضي بعدم السماح للنازحين الفلسطينيين بترك أراضيهم تحت وطأة الاحتلال الاســرائيلي و نزوحهم الى الأقطار العربية ، لذلك اضطر هؤلاء البقاء في العراق بصورة غير شرعية مهددين بالطرد رغم تدخل سفارة فلسطين و اتحاد عمال فلسطين هناك .
و بشكل عام فإن مجموع اللاجئين الفلسطينيين في العراق تصل نسبتهم الى (1.1) في المائة من إجمالي مجموع اللاجئين الفلسطينيين المقدر في عام 2003 بنحو اربعة ملايين لاجىء.
إن اللاجئين الفلسطينيين في العراق ، عانوا كثيراً من جراء التهجير و فقدان ملكياتهم في قراهم في فلسطين ، و عاشوا ظروفاً خاصة في العراق و في تجمعات أقرب الى المخيمات الفلسطينية في باقي تجمعات اللاجئين الفلسطينيين في سورية و لبنان و الأردن و الضفة و القـطاع ، و كذلك اللاجئين في أرضهم داخل الخط الأخضر ، و ساعد ذلك في الإبقاء على بعض العـادات و التقاليد في مجال الأتراح و الأفراح ، و كذلك حافظت تلك التجمعات الفلسطينية في العراق على الذاكرة الجماعية للاقتلاع ، و ذكريات الوطن المختلفة ،و قد شارك اللاجئون الفلسطينيون في العراق في نضالات الشعب الفلسطيني ، و انضموا الى فصائل العمل الوطني خلال الفترة (1964-2003)، و قدموا على مدار تلك الفترة أكثر من (350) شهيداً أمـلاً بالعودة الى الوطن
النشاط السياسي لفلسطينيي العراق:
كما قلنا من البداية أن اللاجئين الفلسطينيين الذين هاجروا إلى العراق كانوا من الفلاحين البسطاء سكان القرى الثلاث (إجزم، جبع، عين غزال) الذين لم يعرفوا الأحزاب السياسية ولم ينخرطوا فيها، لذلك لم يحملوا معهم إلى العراق أية افكار حزبية أو سياسية، وبعد عقدين من الزمان تطورت الجماعة الفلسطينية في العراق وانخرطت في المجتمع العراقي وخاصة في المدن الثلاث بغداد والبصرة والموصل. وعندما ظهرت منظمة التحرير الفلسطينية انخرط فلسطينيو العراق في مؤسساتها التنظيمية والسياسية والعسكرية والثقافية. وكان قبل مجيء منظمة التحرير الفلسطينية إلى العراق، مكاتب للهيئة العربية العليا بقيادة الحاج امين الحسيني والتي كانت تشرف على فوج التحرير الفلسطيني الأول في زمن عبد الكريم قاسم. كما كان هناك رابطة أبناء فلسطين في العراق، التي أنشئت من أجل رعاية أبناء فلسطين المقيمين في العراق ومن أجل العمل على إظهار القضية الفلسطينية عراقياً وعربياً ودولياً. وكان شعار الرابطة "اننا عائدون". وبعد ظهور المنظمات الفلسطينية، دخل العديد من الشبان في هذه المنظمات، وكان هدفهم الوحيد مقاتلة العدو الصهيوني، من أجل العودة إلى تراب فلسطين المقدس.
وقد شارك معظم الفلسطينيين العاملين في العراق بدفع ضريبة التحرير وقدرها 3% من الراتب، تستقطع كل شهر لصالح الصندوق القومي الفلسطيني وذلك بموجب القرار الوزاري الصادر بتاريخ 22/8/1964 تحت رقم (130) والذي طبق بأثر رجعي اعتباراً من 1/10/1964، وقد عدل هذا القانون ليشمل كل إنسان فلسطيني يعمل في العراق سواء أكان موظفا حكومياً أو موظفاً في شركة أو يعمل بالأعمال الحرة.
وقبل حرب الخليج كان يتواجد في العراق العديد من التنظيمات الفلسطينية السياسية والعسكرية وقد شاركت هذه التنظيمات جنباً إلى جنب مع قوات الجيش العراقي في الدفاع عن العراق في حربه ضد قوات التحالف الامريكية الاوروبية. وهذه التنظيمات هي:
1. جيش التحرير الوطني الفلسطيني (قوات الاقصى) التابعة لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية.
2. حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) بقيادة الرئيس ياسر عرفات.
3. جبهة التحرير العربية/ التابعة لحزب البعث العراقي.
4. جبهة التحرير الفلسطينية/ بقيادة ابو العباس.
5. جبهة النضال الشعبي/ بقيادة الدكتور سمير غوشة.
6. وهناك بعض التنظيمات الفلسطينية ذات الاتجاه الاسلامي (كالجهاد الاسلامي وحماس)
أما بالنسبة للنشاطات النقابية، فقد انتظم الشباب في عدة نقابات واتحادات فلسطينية فرعية تابعة للنقابات وللاتحادات الفلسطينية الرئيسية التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية.
وكان أقدم هذه الاتحادات هو الاتحاد العام لطلبة فلسطين الذي برز عام 1963 ثم أعيد تشكيله من جديد عام 1965، ثم تلاه الاتحاد العام لعمال فلسطين الذي تأسس عام 1965، فالاتحاد العام للمرأة الفلسطينية في العراق، الذي تأسس عام 1966، ثم تحول إلى لجنة المرأة الفلسطينية عام 1969 ثم رابطة المرأة الفلسطينية عام 1970. وتشرف على مركز لتدريب الفتيات على الخياطة والتطريز ويقع في البلديات. وكان آخر الاتحادات الفلسطينية في الظهور "الاتحاد العام للمعلمين الفلسطينيين - رابطة العراق" سنة 1970.
وباشراف من منظمة التحرير الفلسطينية شكلت الاتحادات الاربعة ما أطلق عليه اسم "المجلس القطري للاتحادات الفلسطينية في العراق" من أجل تنسيق نشاطاتها في كافة المجالات وتمثيل فلسطينيي العراق في كافة الاجتماعات الفلسطينية.
كما تشكلت في السنوات اللاحقة عدة نقابات:
1. الاتحاد العام للمهندسين الفلسطينيين، وهو ائتلاف ما بين حركة فتح وجبهة التحرير العربية.
2. اللجنة الأولمبية الفلسطينية (لرعاية الشباب والرياضة) في العراق وتشرف على النادي الرياضي الذي يقع في البلديات، والذي يمتلك ملعباً خاصاً به لكرة القدم والسلة والطائرة.
3. منظمة الاشبال والزهرات، وذلك لرعاية الطلاب والطالبات حتى سن (15) سنة في العطل المدرسية الصيفية، لبناء جيل فلسطيني مؤمن بعدالة قضيته وبحقه في الوجود والحياة الحرة الكريمة.
4. الإتحاد العام للفنانين الفلسطينيين.
وجميع هذه النقابات تابعة للنقابات المهنية الرئيسية الممثلة في المجلس الوطني والمجلس المركزي التابعين لمنظمة التحرير الفلسطينية.
كما تشكل في سنوات لاحقة عدة نقابات مهنية منها نقابة الأطباء ونقابة المهندسين ونقابة المحامين وكلها تابعة للنقابات الرئيسية في منظمة التحرير كما مثلوا إخوانهم الفلسطينيين في المجلس الوطني والمجلس المركزي الفلسطيني التابعين لمنظمة التحرير الفلسطينية.
وخلال العشر سنوات الأخيرة من عام 1982-1992 خطا الفلسطينيون في العراق خطوات واسعة وشاركوا إخوانهم العراقيين في كافة المجالات الحياتية. وتقاسموا حلوها ومرها، وخاصة بعد حرب الخليج وفرض الحصار الشامل على كافة أراضي العراق، فقد وقف الفلسطينيون وفقة مشرفة إلى جانب إخوانهم العراقيين، وتحملوا ضيق العيش وقلة العمل، وهم لا يزالون على هذه الحالة حتى اللحظة.
مشاريع التوطين في العراق:
مع انطلاقة مفاوضات التسوية في مدريد بين الاطراف العربية واسرائيل في نهاية عام 1991، كثر الحديث عن مشاريع توطين و تأهيل ودمج اللاجئين الفلسطينيين ، و لعل أبرز تلك المشاريع التي كثر الخوض فيها مشروع توطين اللاجئين الفلسطينيين في العراق ، كخطوة لرفع الحصار الاقتصادي عن العراق ، لكن الملاحظ أن الحكومة العراقية ، و الفلسطينيين رفضوا بشــكل معلن و قاطع تلك المشاريع التي استهدفت أساساً محاولة جذب العراق لتأييد مشروع السلام في الشرق الأوسط ، و حل جزء من قضية اللاجئين عبر قبول العراق باستيعاب و توطين مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين.
و المتابع لمشاريع توطين اللاجئين الفلسطينيين في العراق ، يرى بشكل جلي أن جذور الفكرة تعود الى عام 1911 ، عندما اقترح الداعية الروسي الصهيوني "جو شواه بوخميل" مشروع ترحيل عرب فلسطين الى شمال سورية و العراق ، و كان ذلك أمام لجنة فلسطين التابعة للمؤتمر الصهيوني العاشر المنعقد في مدينة بازل بسويسرا في السنة ذاتها.
و في عام 1930 ظهر وضوح كامل لاستراتيجية الزعماء اليهود في الحركة الصهيونية فيما يختص بهذه الفكرة من خلال خطة وايزمن المقدمة لمسؤولين و وزراء بريطانيين أثناء محادثات خاصة .
و قد قام المليونير اليهودي المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية "إدوارد نورمان" بمحاولات حثيثة خلال الفترة (1934-1948) لترحيل الفلسطينيين الى العراق ، و كانت فكرة نورمان حول وجهة نظر مفادها ، أن مكان توطين الأفضل خاصة للعرب الذين تمرسوا الزراعة هي العــراق ، و مبرر ذلك أن الترحيل لا يعتبر الى بلد أجنبي ، إن الحدود التي أقيمت منذ الحرب تكاد تكون غير معروفة لكثير من العرب ، كما أن اللغة و العادات كلها واحدة ، صحيح أن الانتقال أياً كان نوعه ، يعني ترك الأماكن المألوفة ، لكن التمسك الشديد بالمكان ليس من تقاليد العرب فالعادات البدوية ما زالت ذات قوي حتى في صفوف العناصر الحضري.
و في عام 1949 برزت الى الأمام العديد من مشاريع توطين اللاجئين الفلســـطينيين ، و ظهرت اقتراحات لتعويضهم و دمجهم ، و من أهم تلك المشاريع ، هو مشروع توطينهم في العراق، الذي وضعته بريطانيا ، و قطعت أشواطاً على طريق تنفيذه و ذلك حسب ما جاء في وثائق الخارجية البريطانية التي أميط عنها اللثام عام 1985 ، لكن كافة المشاريع ذهبت في مهب الريح نتيجة الموقف الرسمي العراقي ، و كذلك رفض اللاجئين لفكرة توطينهم و دمجهم و إعادة توزيعــهم، و مع توقيع اتفاقات أوسلو في أيلول 1993، جرت محاولات أمريكية و غربية لتوطين آلاف اللاجئين الفلسطينيين في العراق مقابل رفع الحصار عنه و قبوله مبدأ عملية السلام في الشرق الأوسط لكن الخطاب السياسي العراقي الرسمي كان واضحاً و زادت وتيرته في عام 2000 ، لجهة رفض تلك المحاولات ، و جاء ذلك على لسان أكثر من مسؤول في الحكومة العراقية في عام 1999 و عام 2000 ، ناهيك عن الرفض المطلق من قبل اللاجئين الفلسطينيين و خاصة في مخيمات و تجمعات الفلسطينيين في لبنان .
و في السياق نفسه ، هناك ثمة سببان تراهما "اسرائيل" لترشيح العراق كمركز استيطان دائم للفلسطينيين:
الأول : أن أرض العراق الواسعة و الخصبة تمثل إغراء للفلسطينيين يجعلهم يستغنون بمرور الزمن عن فكرة العودة الى أرض فلسطين ، فحسب الرأي الاسرائيلي ، فإن أرض العراق تعتبر تعويضاً مجزياً عما أصاب الفلسطينيين من التهجير و فقدان ممتلكاتهم .
الثاني : هو أن توطين الفلسطينيين في العراق ، حسب الرؤية الاسرائيلية يحقق جانباً من الضمانات الأمنية على المستقبل البعيد ، أكثر من مما يحققه توطينهم في الدول المحاذية لإســـرائيل ، كالأردن و سورية و لبنان ، فالبعد الجغرافي للدولة العراقية عن الكيان الاسرائيلي ، يجعل الاسرائيليين بمنأى عن أية محاولات فلسطينية مستقبلية لاختراق الحدود الاسرائيلية ، و تهديد الأمن الاسرائيلي ، فضلاً عن أن هذا البعد سيعيق تفكير الفلسطينيين أنفسهم بمواصلة العمليات المناهضة لإسرائيل.
حرب الخليج – الفلسطيني يدفع الضريبة:
لم يتعرض أي شعب لظلم تاريخي خلال حرب الخليج كما الشعب الفلسطيني الذي اتهمته الكويت بدعم الغزو العراقي لها، لتصب بعض الجهات المنفلتة جام غضبها وعُقدها على الفلسطينيين الذين ساهموا وبشكل لا يمكن انكاره في نهضة الكويت، ليتم دفعهم وبطرق ووسائل متنوعة لمغادرة البلاد، منها انهاء الخدمات وسحب الإقامات والتوقيف والإعتقال والإهانة والتعذيب بل وبالقتل، ليتناقص عدد الفلسطينيين في الكويت من قرابة نصف مليون إلى اقل من 30000 فلسطيني، بحجة دعم صدام وهو ما تنفيه شهادات الشهود والتوثيقات التي تثبت عكس ذلك، وأنه من خلال خبرة التهجير قام الفلسطينيون على سبيل المثال بخبز الخبز في المنازل وتوزيعها على من تبقى من عائلات كويتية، وغيرها من قصص الوفاء الذي يميز الشعب الفلسطيني.
ولا أدل على كذب هذه الإدعاءات ما اتخذته السلطات العراقية بعد انتهاء الحرب من قرارات مجحفة بحق الفلسطينيين في العراق، ليعاقب الفلسطيني مرتين، مرة من الكويت لدعمه العراق، ومرة من العراق لعدم دعمه له!، وهذا جزء من هذه القرارات والقوانين التي سنتها الحكومة العراقية بعد حرب الخليج الثانية:
1. إلغاء رخص السياقة العمومية التي كان يتمتع بها الفلسطينيون الذين لجأوا إلى العراق، بعد نكبة عام 1948، ونكسة عام 1967 وهي ميزة كانت ممنوحة لهم قبل حرب الخليج.
2. منع تملك الأرض لأي فلسطيني، وهو امتياز حصل عليه الفلسطينيون أثناء الحرب العراقية - الايرانية، وقد تم إلغاؤه.
3. يمنع تأجير المحلات التجارية للفلسطينيين، وعدم منحهم وثيقة تجارية للاستيراد والتصدير، حيث كان لهم الحق في ذلك قبل حرب الخليج.
4. عدم السماح بالسفر للفلسطينيين الذين يحملون وثيقة سفر عراقية إلا في حالات استثنائية محدودة جداً ومرة كل عام.
5. عدم تسجيل أي بيت باسم اللاجئ الفلسطيني في العراق، وكان معمولاً به قبل حرب الخليج، واستمر تطبيقه بعد الحرب. إن تطبيق هذه القوانين قد أضر بمصالح الفلسطينيين وزاد من معاناتهم، وحرمانهم من حرية الحركة ومن مزاولة أعمالهم وتجارتهم مما أدى إلى تدهور أوضاعهم الاقتصادية وانخفاض مستوى المعيشة.
6. كما أخذت الحكومة العراقية برفض طلبات التعيين في الوظائف الحكومية للفلسطينيين والعرب الآخرين، وذلك من أجل توفير فرص العمل للعراقيين بشكل أفضل.
7. منع الفلسطينيين من امتلاك السيارات الخصوصية والعمومية، كما رافق ذلك ارتفاع حاد في إيجارات السكن، مما أثر على أوضاع الفلسطينيين الاجتماعية ايضاً، فقد انخفضت نسبة الزواج وزادت نسبة الطلاق، بسبب المشاكل الاجتماعية التي تزايدت بتزايد نسبة البطالة، والاكتظاظ السكاني للعائلات الفلسطينية في السكن الواحد.
رغم كل ذلك تحمل الفلسطيني ظلم ذوي القربى وعاش من تبقى في الكويت يعمل ويعطي للمجتمع، وكذلك عاش الفلسطيني أثناء فترة الحصار في العراق مع إخوانه أبناء الشعب العراقي على السراء والضراء، وعلى الحلوة والمرة حيث كانت انعكاسات الحصار الدولي على العراق كثيرة و متشعبة على اللاجئين الفلسطينيين في العراق و أشقائهم العراقيين و لكنها كانت أخطر على الأطفال كما أشارت معدلات الوفيات بينهم حيث بلغت معدلات وفيات الأطفال دون الخامسة من العمر من (95) بالألف الى (125) بالألف خلال سنوات الحصار ، كذلك انتشرت ظاهرة تشغيل الأطفال ، حيث لم تغطي حصص التموين التي توزعها الدولة المتطلبات الغذائية للأسرة الفلسطينية و العراقية ، فأشارت معطيات التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2000 ، بأن (3-11) في المائة من إجمالي الأطفال بين (10-14) سنة من العمر في العراق كانوا يعملون في سوق العمل العراقية ، ما يؤدي الى انعكاسات اجتماعية على الأسرة و المجتمع الفلسطيني و العراقي في ذات الوقت ، و تعرض الأطفال لحالات تعسف شديدة في الأجور و غيرها.
و على المستوى الاقتصادي و نتيجة الحصار الدولي على العراق ، فإن دخل الأسرة الفلسطينية بات لا يتعدى (50) دولاراً ، بعد تدهور سعر العملة العراقية ، و لم يبقى للاجئين الفلسطينيين في الوقت الراهن سوى اقتناء السكن المجاني على حساب وزارة العمل ، و هو سكن في كل الأحوال لا يتمتع بالاستقرار.